وقال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: (وإن كان فيهم مسلم) واحد فأكثر (أسير أو تاجر جاز ذلك) أي إحصارهم وقتلهم بما يعم، وتبييتهم في غفلة، وإن علم قتل المسلم بذلك لكن يجب توقيه ما أمكن، (على المذهب) لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم.
وقال العبادي الحنفي في الجوهرة النيرة: (ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر) يعني يرميهم بالنشاب والحجارة والمنجنيق؛ لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن جماعة المسلمين وقتل التاجر والأسير ضرر خاص.
وفي هذا توجيه لقياس المسألة: ضرر يعود بترك الجهاد والفتح، وضرر يعود على بعض المسلمين، فيُقدم الجهاد على الضرر الذي يعود على آحاد المسلمين أو بعضهم.
قال الشافعي موجهًا الحديث نحو دفع الكفار:"ولكن لو اضطررنا إلى أن نخافهم على أنفسنا إن كففنا عن حربهم قاتلناهم ولم نعمد قتل مسلم"، وهذا كمسألة التترس تمامًا، فإن أهل العلم اتفقوا على جواز قتل الكفار ولو تترسوا بمسلمين إذا اضطروا إلى ذلك.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم.
وقال: والله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته، والحديث في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بأولهم وآخرهم، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات: كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم المكره وغير المكره، وفيهم المستبسل، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم"، فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته المكره فيهم وغير المكره، مع قدرته على التمييز بينهم ... بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء، وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا، وذلك أن مصلحة الجهاد قائمة على نهكة النفوس وإهراق الدماء في سبيل الله تبارك وتعالى، فلا تُفوّت المصلحة بمثل هذه المفسدة المتوهمة.
قال الإمام النووي: لو تترس الكفار بمسلمين من الأسارى وغيرهم نُظِر، إن لم تدعُ ضرورة إلى رميهم واحتمل الإعراض عنهم لم يجز رميهم، وهذا على خلاف كما تقدم معنا بين العلماء ... وإن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترّسوا بهم في حال التحام القتال وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم فوجهان:
أحدهما: لا يجوز الرمي إذا لم يمكن ضرب الكفار إلا بضرب مسلم.
والثاني: الجواز وهو الصحيح المنصوص- أي نص الإمام الشافعي رحمه الله - وبه قطع العراقيون- يعني من أصحاب الإمام الشافعي-.
وقال القرطبيّ: قد يجوز قتل التّرس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كليّة قطعية.
وضرورية أي لا يُتوصل الى قتل الكفار الا من خلال قتل الجميع.
وكلية أى أنها تعود بالنفع على الجميع لا الفاعل وجماعته فقط.
وقطعية أى حاسمة للأمر.
وقال الإمام المرغمانيّ: ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ أو تاجر لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص ولأنه قلما يخلو حصن من مسلم فلو امتنع باعتباره لانسدّ باب الجهاد وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يَكفوا عن رميهم لِمَا بيّنا - ويقصدون بالرمي الكفار-.
وقال الجصاص: باب رمي حصون المشركين وفيهم أطفال المسلمين وأسراهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى وأطفال من المسلمين، ولا بأس بأن يحرقوا الحصون ويقصدوا به المشركين، وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رُمي المشركون وإن أصابوا أحدًا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة.