وقد حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف وأهل خيبر وقريظة والنضير، وأجلب المسلمون عليهم فيما بلغنا أشد ما قدروا عليه، وبلغنا أنه نصب على أهل الطائف المنجنيق، فلو كان يجب على المسلمين الكف عن المشركين إذا كان في ميدانهم الأطفال، لنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتلهم ما لم يقاتلوا؛ لأن مدائنهم وحصونهم لا تخلو من: الأطفال والنساء والشيخ الكبير الفاني والصغير والأسير والتاجر، وهذا من أمر الطائف وغيرها محفوظ مشهور من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لم يزل المسلمون والسلف الصالح من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في حصون الأعاجم قبلنا على ذلك، لم يبلغنا عن أحد منهم أنه كف عن حصن برمي ولا غيره من القوة لمكان النساء والصبيان، ولمكان من لا يحل قتله لمن ظهر منهم.
وقد ذكر الشافعي رحمه الله في الأم قول الأوزاعي، ثم أتبعه برد أبي يوسف السابق، ثم قال: والذي تأول الأوزاعي يحتمل ما تأوله عليه، ويحتمل أن يكون كفه عنهم بما سبق في علمه من أنه أسلم منهم طائفة طائعين، والذي قال الأوزاعي أحب إلينا إذا لم يكن بنا ضرورة إلى قتال أهل الحصن ... كان تركهم إذا كان فيهم المسلمون أوسع وأقرب من السلامة من المأثم في إصابة المسلمين فيهم، ولكن لو اضطررنا إلى أن نخافهم على أنفسنا إن كففنا عن حربهم قاتلناهم ولم نعمد قتل مسلم، فإن أصبناه كفرنا الكفارة هنا مختلف فيها على ثلاثة أقوال:-
1 -تجب الدية والكفارة: وهو المشهور عن المالكية والشافعية.
2 -تجب الكفارة دون الدية: وهو المشهور عن الحنابلة، وهو قول الثوري.
3 -ليس فيه كفارة ولا دية: وهو المشهور عن الحنفية]، وما لم تكن هذه الضرورة فترك قتالهم أقرب من السلامة وأحب إلي.
وقال الجصاص في أحكام القرآن:"وأما احتجاج من يحتج بقوله:"ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات"الآية, في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين, فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف؛ وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم ; لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم، وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم, فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين؛ لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضًا إباحة الإقدام على وجه التخيير, فإذا لا دلالة فيها على حظر الإقدام."
فإن قيل: في فحوى الآية ما يدل على الحظر, وهو قوله:"لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم"، فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم، قيل له: قد اختلف أهل التأويل في معنى المعرة هاهنا، فروي عن ابن إسحاق أنه: غرم الدية, وقال غيره: الكفارة, وقال غيرهما: الغم باتفاق قتل المسلم على يده ; لأن المؤمن يغتم لذلك وإن لم يقصده، وقال آخرون: العيب، وحكي عن بعضهم أنه قال: المعرة: الإثم, وهذا باطل ; لأنه تعالى قد أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا; لقوله تعالى:"لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِعِلْمٍ" [الفتح25] , ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه, ولم يضع الله عليه دليلًا, قال الله تعالى:"وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ" [الأحزاب5] فعلمنا أنه لم يرد المأثم.
وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين; لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم، ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة, كما أن من أصيب برمي حصون الكفار من المسلمين الذين في الحصن لم تكن فيه دية ولا كفارة، ولأنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة, فصاروا في الحكم بمنزلة من أُبيح قتله فلا يجب به شيء, وليست المعرة المذكورة دية ولا كفارة; إذ لا دلالة عليه من لفظه ولا من غيره، والأظهر منه ما يصيبه من الغم والحرج باتفاق قتل المؤمن على يده على ما جرت به العادة ممن يتفق على يده ذلك، وقول من تأوله على العيب محتمل أيضًا ; لأن الإنسان قد يُعاب في العادة باتفاق قتل الخطأ على يده, وإن لم يكن ذلك على وجه العقوبة.
وقد قال بعض العلماء في الرد على من أخذ بالآية أن ذلك يُعطل الجهاد لندرة خلو ديارٍ من المسلمين، قال محمد بن الحسن في شرح السير الكبير:"ولا يمتنع شيء من ذلك ما يكون للمسلمين فيهم من أسرى, أو مستأمنين, صغارا أو كبارا، أو نساء أو رجالا، وإن علمنا ذلك؛ لأنه لا طريق للتحرز عن إصابتهم مع امتثال الأمر بقهر المشركين, وما لا يُستطاع الامتناع منه فهو عفو".