وقال البهوتي في شرح منتهى الإرادات: (و) يجوز (رميهم) أي الكفار (بمنجنيق) نصًا، لأنه - صلى الله عليه وسلم - (نصب المنجنيق على الطائف) رواه الترمذي مرسلًا، ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية, فظاهر كلام أحمد الجواز مع الحاجة وعدمها (و) يجوز رميهم بنار (و) يجوز (قطع سابلة) أي طريق، (و) قطع (ماء) عنهم (وفتحه) ليغرقهم (و) يجوز (هدم عامرهم) وإن تضمن إتلاف, نحو نساء وصبيان ; لأنه في معنى التبييت.
-الظاهرية:
قال ابن حزم في المحلى: جائز تحريق أشجار المشركين, وأطعمتهم, وزرعهم، ودورهم, وهدمها, قال الله تعالى:"ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين"، وقال تعالى:"ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح"، وقد أحرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير - وهي في طرف دور المدينة - وقد علم أنها تصير للمسلمين في يومه أو غده.
-من المجتهدين من غير المذاهب:
قال الصنعاني في سبل السلام:"وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (حرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير وقطع) متفق عليه."
يدل على جواز إفساد أموال أهل الحرب بالتحريق والقطع لمصلحة، وفي ذلك نزلت:"مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ"الآية، قال المشركون: إنك تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع الأشجار وتحريقها؟
وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي وأبو ثور واحتجا بأن أبا بكر - رضي الله عنه - وصى جيوشه أن لا يفعلوا ذلك، وأجيب بأنه رأى المصلحة في بقائها لأنه قد علم أنها تصير للمسلمين فأراد بقاءها لهم، وذلك يدور على ملاحظة المصلحة.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: والأحاديث المذكورة- مثل حديث ابن عمر في تحريق نخل بني النضير- فيها دليل على جواز التحريق في بلاد العدو، قال في الفتح - نقل كلام ابن حجر وأقره - ثم قال: ولا يخفى أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تقرر من عدم حجية قول الصحابي.
وقال أيضًا في السيل الجرار: قد أمر الله بقتل المشركين، ولم يعين لنا الصفة التي يكون عليها، ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا، فلا مانع من قتلهم بكل سببٍ للقتل من رمي، أو طعن، أو تغريق، أو هدم، أو دفع من شاهق، أو نحو ذلك.
وللشوكاني رأيه في منع التحريق خاصة وقد بينا أن النهي عن التحريق بعد الأخذ والأسر، أما قبله فلا تشمله الأحاديث بل إذا كان لا يُتوصل للفتح إلا بالتحريق فلا خلاف بين العلماء على صحة الفعل، وفي أحسن الأحوال فالخلاف قائم عند وجود ما يُتوصل به للفتح دون التحريق، أو عند تساوي الوسائل وتعارض الغايات فهل يلجأ إلى التحريق أو لا، هذا محل الخلاف، والصحيح الجواز.
وقال ابن القيم في الزاد حول فقه غزوة الطائف: ومنها جواز نصب المنجنيق على الكفار، ورميهم به وإن أفضى إلى قتل مَن لم يُقاتل مِن النساء والذُرِّية.
ومنها: جوازُ قطع شجر الكُفار إذا كان ذلك يُضعفهم ويَغيظهم، وهو أنكى فيهم.
والأسلحة الحديثة تلحق بما سبق ذكره، من تحريق وإغراق وتفجير وتدمير وسموم وغيره من وسائل التدمير الشامل.
-حكم المتواجدين من المسلمين في المناطق المقصود تدميرها (التترس) :
ذهب الإمام مالك في المدونة إلى تحريم التغريق أو التحريق إذا اختلط أهل البلاد بمسلمين بما يعذر معه التمييز مستشهدًا بقوله تعالي:
"وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" [الفتح 25] ، وقد أشار ابن قدامة في المغني للآية وبها منع ضرب الحصون لتواجد المسلمين بها.
وقد رد العلماء على الإمام مالك استشهاده بالآية وممن أخذ بها كالأوزاعي.
قال أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي: تأول الأوزاعي هذه الآية في غير موضعها، ولو كان يحرم رمي المشركين وقتالهم إذا كان معهم أطفال المسلمين لحرم ذلك أيضًا منهم إذا كان معهم أطفالهم ونساؤهم، فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والأطفال والصبيان،