قال ابن فرحون في تبصرة الحكام: مسألة: ويُقاتل العدو بكل نوع، وبالنار إن لم يكن غيرها وخيف منهم, فإن لم يخف فقولان، مسألة: لم يختلف في رمي مراكبهم بالمنجنيق، وكذلك حصونهم, وإن كان فيهم مسلمون.
وقال الخرشي في شرح خليل: يجوز قتال العدو إذا لم يجيبوا إلى ما دعوا إليه بجميع أنواع الحرب، فيجوز قطع الماء عنهم ليموتوا بالعطش, أو يرسل عليهم ليموتوا بالغرق على المشهور، أو يقتلوا بالآلة: كضرب بالسيف، وطعن بالرمح، ورمي بالمنجنيق، وما أشبه ذلك من آلات الحرب.
-الشافعية:
قال الشافعي في الأم: وإذا تحصن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحسك أو بما يتحصن به، فلا بأس أن يرموا بالمجانيق، والعرادات، والنيران، والعقارب، والحيات، وكل ما يكرهونه، وأن يبثقوا عليهم الماء ليغرقوهم، أو يوحلوهم فيه، وسواءًا كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أو لم يكونوا؛ لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر، وغير المثمر، ويخربوا عامرهم، وكل ما لا روح فيه من أموالهم.
وقال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: (ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع) وغيرها، (وإرسال الماء عليهم) وقطعه عنهم، (ورميهم بنار ومنجنيق) وغيرهما، وإن كان فيهم نساء وصبيان ولو قدرنا عليهم بدون ذلك كما قاله البندنيجي، وإن قال الزركشي: الظاهر خلافه؛ وذلك لقوله تعالى:"وخذوهم واحصروهم" [التوبة5] ; ولأنه - صلى الله عليه وسلم - حصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق" [رواه البيهقي وغيره] ... (وإن كان فيهم مسلم) واحد فأكثر، (أسير أو تاجر جاز ذلك) أي إحصارهم وقتلهم بما يعم، وتبييتهم في غفلة، وإن علم قتل المسلم بذلك لكن يجب توقيه ما أمكن، (على المذهب) لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم، نعم يكره ذلك حيث لم يضطر إليه، كأن لم يحصل الفتح إلا به تحرزا من إيذاء المسلم ما أمكن مثله في ذلك الذمي ولا ضمان هنا في قتله ; لأن الفرض أنه لم تعلم عينه"
وقال السيوطي في أسنى المطالب - وأصل الكلام لزكريا الأنصاري-: (و) يجوز (إتلافهم بالماء والنار) قال تعالى: (وخذوهم واحصروهم) ، و (حاصر - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف) رواه الشيخان، و (نصب عليهم المنجنيق) رواه البيهقي، وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به.
وهذا القول هو المشهور في المذهب الشافعي.
-الحنابلة:
قال ابن قدامة في المغني: مسألة: قال - أي الخرقي -: (وإذا حورب العدو, لم يحرقوا بالنار) : أما العدو إذا قدر عليه, فلا يجوز تحريقه بالنار, بغير خلاف نعلمه، وقد كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يأمر بتحريق أهل الردة بالنار، وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره, فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا ... فأما رميهم قبل أخذهم بالنار, فإن أمكن أخذهم بدونها, لم يجز رميهم بها; لأنهم في معنى المقدور عليه, وأما عند العجز عنهم بغيرها, فجائز في قول أكثر أهل العلم، وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي ... وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم, إن قدر عليهم بغيره لم يجز, إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية, الذين يحرم إتلافهم قصدًا, وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز, كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم، وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها.
وقد جاء في الشرح الكبير على متن المقنع للمقدسي: يجوز رمي الحصون بالنار، مع وجود النساء والأطفال ما دامت تخلو من المسلمين.
وقال البهوتي في كشاف القناع: (وكذا يجوز رميهم) أي: الكفار (بالنار, والحيات, والعقارب في كفات المجانيق, ويجوز تدخينهم في المطامير, وفتح الماء لغرقهم, وفتح حصونهم وعامرهم) أي: هدمها عليهم; لأنه في معنى التبييت (فإذا قدر عليهم لم يجز تحريقهم) لحديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء, فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) [مسلم عن شداد بن أوس] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - (فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار) [أبو داود عن حمزة الأسلمي] وكان أبو بكر يأمر بتحريق أهل الردة بالنار، وفعله خالد بن الوليد بأمره.