الصفحة 45 من 216

وهذا مما ألفه المسلمون في حروبهم فروى سعيد بن منصور عن صفوان بن عمرو: أن جنادة بن أبى أمية الأزدي وعبد الله بن قيس الفزاري، وغيرهما من ولاة البحر ومن بعدهم - وكانوا على عهد معاوية - رضي الله عنه - - كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار، ويحرقونهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء، قال: لم يزل أمر المسلمين على ذلك.

وروى سعيد بن منصور عن علقمة أنهم غزوا على عهد معاوية وكانوا يرمون بالمنجنيق في غزوتهم.

ولا خلاف عند أهل العلم على جواز رمي الأعداء بالمنجنيق، وهي الآلة التي تُرمى بها الحجارة الكبيرة أو الحجارة المحماة، وهي بالتأكيد لا تميز بين صغير وكبير، أو بين رجل و امرأة مقاتل أو غير مقاتل، كما أنه آلة دمار للدور والمساكن وكل ما يصيبه.

والأصل في الجهاد إباحة ما يُتوصل به إلى إعزاز دين الله والفتح المبين، ولا يُقال هنا أن مآل البيوت والأملاك للمسلين غنائم أو فئ، أو أن بها من الثروات ما يخدم المسلمين بعد الفتح، أو أن هذا مدعاة لأن يفعلوا بالمسلمين مثل ما فعله المسلمون، لا عبرة بمثل هذا التعليل، خصوصًا بعد ثبوت روايات التحريق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في غزوة بني النضير في الصحيح، وكما نقل ابن القيم في الزاد عند الحديث على غزوة الطائف فقال: قال ابن سعد عن مكحول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا.

قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشَّدْخَةِ عند جِدار الطائف، دخل نَفَر مِن أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تحتَ دبابةٍ، ثم دخلوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سِكَكَ الحديد مُحماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنَّبل، فقتلُوا منهم رجالًا، فأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناسُ فيها يقطعون.

قال السيوطي: ونصب عليهم المنجنيق رواه البيهقي، وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به.

-أقوال المذاهب في جواز التحريق والإغراق والتسميم، وما في معناه من التدمير:

-الأحناف:

قال السرخسي في شرح السير الكبير عن محمد بن الحسن، قال: ولا بأس للمسلمين أن يحرقوا حصون المشركين بالنار، أو يغرقوها بالماء، وأن ينصبوا عليها المجانيق, وأن يقطعوا عنهم الماء, وأن يجعلوا في مائهم الدم والعذرة والسم حتى يفسدوه عليهم، لأنا أُمرنا بقهرهم وكسر شوكتهم، وجميع ما ذكرنا من تدبير الحروب مما يحصل به كسر شوكتهم, فكان راجعًا إلى الامتثال, لا إلى خلاف المأمور, ثم في هذا كله نيل من العدو, وهو سبب اكتساب الثواب, قال الله تعالى:"وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ" [التوبة120] ، ولا يمتنع شيء من ذلك ما يكون للمسلمين فيهم من أسرى, أو مستأمنين, صغارًا أو كبارًا، أو نساءً أو رجالًا، وإن علمنا ذلك؛ لأنه لا طريق للتحرز عن إصابتهم مع امتثال الأمر بقهر المشركين, وما لا يُستطاع الامتناع منه فهو عفو.

وقال السرخسي في المبسوط: ولا بأس بإرساله الماء إلى مدينة أهل الحرب، وإحراقهم بالنار، ورميهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين أسرى أو تجار.

وقال الكاساني في بدائع الصنائع: لا بأس بإحراق حصونهم بالنار, وإغراقها بالماء, وتخريبها وهدمها عليهم, ونصب المنجنيق عليها ; لقوله تبارك وتعالى:"يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ" [الحشر2] ، ولأن كل ذلك من باب القتال; لما فيه من قهر العدو وكبتهم وغيظهم, ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها, ولا حرمة لأنفسهم حتى يقتلوا, فكيف لأموالهم؟.

-المالكية:

قال ابن العربي في أحكام القرآن: اختلفت الناس في تخريب دار العدو وحرقها وقطع ثمارها على قولين:

الأول: أن ذلك جائز قاله في المدونة.

الثاني: إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا, وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك في الواضحة, وعليه تناظر الشافعية, والصحيح الأول، وقد علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخل بني النضير له, ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنًا فيهم, حتى يخرجوا عنها, فإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعًا مقصودة عقلًا.

والاختلاف في مآل هذه الدور، هل ستعود بالنفع على المسلمين فلا تحرق، أو تحرق بغض النظر عن المآل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت