الصفحة 44 من 216

والتي ذكرها ابن حجر تبيينًا لرواية البخاري قال:"أن هبار بن الأسود أصاب زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء وهي في خدرها فأسقطت، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فقال: إن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب ثم أشعلوا فيه النار"، أي إن وجدتموه وأخذتموه فاحرقوه، ثم نهاهم عن حرقه، أما النهي قبل أخذه فلم يتعرض له الحديث، وان كان هناك منع فيؤخذ من غيره.

قال ابن حجر: واختلف السلف في التحريق: قال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها، وعن عبد الله بن قيس الفزاري أنه كان على الناس في البحر على عهد معاوية وكان يرمي العدو بالنار ويرمونه ويحرقهم ويحرقونه, وقال: لم يزل أمر المسلمين على ذلك، قال ابن حجر: وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه أي أنه يجوز على العموم دون قصد المعينين.

في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"حرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير وقطع"، وفي ذلك نزل قوله تعالى:"مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ" [الحشر5] .

والحديث عمدة عند علماء الحديث فقد بوب له البخاري: باب حرق الدور والنخيل، وأبو داود: باب في الحرق في بلاد العدو، والترمذي: باب في التحريق والتخريب، وابن ماجه: باب التحريق بأرض العدو، والبيهقي: باب قطع الشجر وحرق المنازل.

قال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: وهذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار وتخريب الحصون، وكره بعضهم ذلك وهو قول الأوزاعي.

قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق يزيد أن يقطع شجرًا مثمرًا أو يخرب عامرًا، وعمل بذلك المسلمون بعده، وخالف الشافعي الأوزاعي فقال: أما الظن به - يعني أبا بكر - رضي الله عنه - - فإنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر فتح الشام، فكان على يقين منه، فأمر بترك تخريب العامر وقطع المثمر ليكون للمسلمين، لا لأنه رآه محرما؛ لأنه قد حضر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريقه بالنضير وخيبر والطائف، فلعلهم أنزلوه على غير ما أنزله عليه، والحجة فيما أنزل الله - عز وجل - في صنيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"."

قال ابن حجر في الفتح: وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك، وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق، وقال غيره: إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها على المسلمين، والله أعلم.

وقال العيني في عمدة القاري: حديث ابن عمر دال على أن للمسلمين أن يكيدوا عدوهم من المشركين بكل ما فيه تضعيف شوكتهم، وتوهين كيدهم، وتسهيل الوصول إلى الظفر بهم، من قطع ثمارهم، وتغوير مياههم، والتضييق عليهم بالحصار، وممن أجاز ذلك الكوفيون ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وابن القاسم، وقال الكوفيون: يحرق شجرهم، وتخرب بلادهم، وتذبح الأنعام وتعرقب إذا لم يمكن إخراجها.

وهذا الحديث ظاهر في الدلالة على جواز تحريق بلاد العدو إذا اقتضى القتال ذلك.

-ضرب العدو بالمنجنيق:

وهاهنا أحاديث يعضد بعضها بعضًا:

روى الترمذي وأبو داود في المراسيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب على أهل الطائف المنجنيق. ووصله البيهقي وفيه نظر، وبوب عليه المجد بن تيمية في منتقى الأخبار: باب جواز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق وإن أدى إلى قتل ذراريهم تبعا.

وروى البيهقي وغيره أن عمروًا بن العاص - رضي الله عنه - نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية.

وروى البيهقي عن يزيد بن أبي حبيب - في فتح قيسارية - قال: فكانوا يرمونها في كل يوم بستين منجنيقا، وذلك في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت