الصفحة 43 من 216

وقد بوّب البيهقي في السنن الكبرى على حديث الصعب بقوله: (باب قتل النساء والصبيان في التبييت والغارة من غير قصد وما ورد في إباحة التبييت) ، ثم ذكر تحته عدة روايات تفيد جواز تبييت العدو كحديث خيبر وقتل ابن أبي حقيق وكعب بن الأشرف وكلها في الصحيح.

قال الشافعي في الأم والرسالة: ومعنى نهيه عندنا - والله أعلم - عن قتل النساء والولدان أن يقصد قصدهم بقتل وهم يعرفون مميزين ممن أمر بقتله منهم، قال: ومعنى قوله"هم منهم"أنهم يجمعون خصلتين: أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع الدم، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع الغارة على الدار.

وقد نقل الطحاوي في شرح معاني الآثار بعضًا من أحاديث النهي عن قتل النساء والصبيان ثم ذكر حديث الصعب بن جثامة في التبييت ثم قال: فلما لم ينههم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغارة وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم، دل ذلك أن ما أباح في هذه الآثار لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأول، وأن ما حظر في الآثار الأول هو القصد إلى قتل النساء والولدان، والذي أباح هو القصد إلى المشركين وإن كان في ذلك تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى تلفه حتى تصح هذه الآثار المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تتضاد، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغارة على العدو، وأغار على الآخرين في آثار عدد، قد ذكرناها في باب الدعاء قبل القتال، ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به علمنا أنه قد كان يعلم أنه لا يؤمن من تلف الولدان والنساء في ذلك، ولكنه أباح ذلك لهم، لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم، فهذا يوافق المعنى الذي ذكرت مما في حديث الصعب ... فكذلك العدو قد جعل لنا قتالهم، وحرم علينا قتل نسائهم وولدانهم، فحرام علينا القصد إلى ما نُهينا عنه من ذلك، وحلال لنا القصد إلى ما أبيح لنا وإن كان فيه تلف ما قد حرم علينا من غيرهم، ولا ضمان علينا.

-جواز قتل النساء والشيوخ والأطفال تبعًا:

ويجوز معاملة الكفار بالمثل على اختلاف بين العلماء، قال تعالى:"وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ" [النحل: 126] ، قال القرطبي: في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص، فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به ..."، وقال الطبري: يقول تعالى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ:"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ"أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم"فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ"الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة."

وقال تعالى:"وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا" [الشوري 40،39]

-حكم التحريق:

قال الترمذي في السنن: باب في التحريق والتخريب: النكاية بالعدو مقصد شرعي لذا قال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو وقطع الأشجار والثمار، وقال أحمد: قد تكون في مواضع لا يجدون منه بدًا، فأما العبث فلا تحرق، وقال إسحاق: التحريق سنة إذا كان أنكى فيهم.

وقال ابن عابدين في الحاشية: المنجنيق هي آلة تُرمى بها الحجارة الكبار، قلت - القائل ابن عابدين-: وقد تركت اليوم للاستغناء عنها بالمدافع الحادثة ... كرصاص وقد استغني به عن النبل في زماننا.

وقال الصنعاني: يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق ويُقاس عليه غيره من المدافع وغيرها.

وفي المنهاج وشرحه للنووي: يجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع، وإرسال الماء عليهم، ورميهم بنار ومنجنيق وتبييتهم في غفلة، قال النووي: وما في معنى هذا من هدم بيوتهم وقطع الماء عنهم وإلقاء حيات أو عقارب عليهم ولو كان فيهم نساء وصبيان لقوله تعالى:"وخذوهم واحصروهم" [التوبة5] ، وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - حاصر الطائف، وروى البيهقي أنه نصب عليهم المنجنيق وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به، ثم قال: وظاهر كلامهم أنه يجوز إتلافهم بما ذكر وان قدرنا عليهم بدونه.

أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا لرجلين فأحرقوهما بالنار، ثم قال حين أردنا الخروج:"إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما"، وفي رواية عند البخاري فان أخذتموهما فاقتلوهما، فتُحمل رواية:"وجدتموهما"على رواية:"أخذتموهما"ليتفق المعني: أن لا تحرقوهما بعد أخذهما، وعليه فالنهي يرد ما بعد الأسر أما قبله فلا يشمله الحديث، توضحه رواية سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت