بحيث يصعب التمييز بينها، مع العلم أن المحصلة النهائية لحرب العصابات هو التوقف والانتقال إلى الحالة النظامية، وهذا ليس بالأمر الاختياري، فلو قدر الله لهذه الطائفة المقاتلة البقاء في وجه التحديات، ومن ثم الانتصار، فإنها ستتحول إلى كيان دولي يأخذ طابع الإمارة أو الدولة، وحينئذ ستختلف المعايير اختلافًا جوهريًا، على سبيل المثال: المبدأ في التنظيم الأولي هو السمو في الطرح وعدم التنازل عن معايير القبول، وبالتأكيد رفض من لا تنطبق عليه مواصفات الانتماء والالتزام بمبادئ الجماعة، ولكن حين تأخذ شكل الدولة والجيش النظامي فلا يُطرد حينئذ أحد أراد القتال من أجل الدولة التي يتمتع بحق الانتماء لها.
-أطوار حرب العصابات:
صحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمد هذه النظرية بالمعنى المعهود اليوم للحرب، ولكن قراءة واعية للحروب في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد يُعطي جوًا يمكن من خلاله فهم التأصيل الشرعي لمن يسير على درب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، نقول: لم يدخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من الحروب لأن التشريع في مكة ما كان فيه الإذن بالقتال، بل الصبر والتحمل فقط، إلا في الناحية الفردية ومن باب رد الظلم وليس مبادرة المشركين بالقتال، يُوضحه غاية الوضوح قول العباس بن عبادة في بيعة العقبة الثانية: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم"، فلما جاءت الهجرة وانتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بل من علماء التفسيرمن قال: إن الإذن بالقتال نزل في طريق الهجرة، فلما نزل التشريع قام الإذن بالجهاد، وقد أخذت المدينة طابع الدولة والجيش النظامي أكثر منه ميلًا لحرب العصابات، مع بعض المسارات، والتي تدخل في حكم"الوحدات الخاصة"، ولا تُصنف ضمن"حرب العصابات"أيضًا، كالاغتيال أو الإغارة على القبائل أو التبييت والكمائن.
ومع ذلك فليس هناك فارق في هذه الأطوار بين تأسيس الدولة أو تهييئ الظروف لتأسيسها.
عمدة حديثنا في"حرب العصابات"نموذج لم يتكرر في العهد النبوي، إنه أبو بصير، جاء حديثه عند البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه: حديث الحديبية وفيه: ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا"، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال يا نبى الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد"، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، أي لأبي بصير وأبي جندل ومن معهما."
-الطور الأول: طور إثبات الوجود: وتمثل في:
1 -الانتقال من حالة الاستضعاف إلى حالة القوة ولو كانت نسبية.
2 -بالرغم من كبرياء قريش وأنفتها فإنها لم تستطع إخفاء هلعها ورعبها من ظاهرة انتشار الإسلام، وتفشي ظاهرة الإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في مكة، وكأني بهم فرعون حين قال:"إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ" [الشعراء 54] ، ثم يخرج بنفسه وقادته ووزرائه وجيشه، الكل يخرج خلف هؤلاء القليل، فكيف لو كانوا كثير؟
وهو عين ما تكرر مع قريش، مما اضطرها رغمًا عن أنفها للإقرار أن المؤمنين في مكة ليسوا قلة بحيث يسهل القضاء عليهم، فألزموا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وفي الحقيقة ألزموا أنفسهم بأن من جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم رده، ومن جاءهم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يردوه.
وهذا إقرار ثان أن جبهة محمد - صلى الله عليه وسلم - أصبحت مكانًا آمنًا للمؤمنين بالدعوة الإسلامية، وهي ملاذ للمستضعفين، وأن من يأتي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يصبح في منعة تعجز قريش عن اجباره للعودة لها أو طلبه بعدها، مما اضطرها لأن تطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد من يأتيه مسلمًا فهي لن تقدر على إرجاعه، وحين وافق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم جاءته أم كلثوم بنت عقبة، وجاء الأمر الرباني بعدم ردهن، وافقت قريش على الرغم من أنف سادتها، فهم من يحتاج الصلح أكثر من الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقد أقر أبو سفيان بفشل قومه عن رد مسلمٍ عن دينه بالإقناع في محضر عظيم الروم هرقل حين سأله: قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا [البخاري] .