حارثة، ومنه تحرك خالد من العراق لنصرة أهل الشام، ومنه توقف عمرو في دخول مصر حتى يستشير الخليفة، وكذلك موقف معاوية من ركوب البحر ومنع عمر من ذلك ثم سماح عثمان - رضي الله عنهم - أجمعين.
ثالثًا: استخدام القوة بما يحقق الهدف بلا تعدي أو تجاوز:
قال تعالى:"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ" [البقرة190] قال ابن كثير:"الذين يقاتلونكم"إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال:"وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً" [التوبة36] ، ولهذا قال في هذه الآية:"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ" [البقرة191] ، أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم كما همتهم منبعثة على قتالكم وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصا.
وقوله:"وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ"أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم.
ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:"اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع"، وعن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث جيوشه قال:"اخرجوا بسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" [رواه الإمام أحمد ولأبي داود عن أنس مرفوعا نحوه] وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجدت امرأة في بعض مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - مقتولة فأنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل النساء والصبيان، وعند الإمام أحمد باسناد حسن عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة"والمعنى أن القوم الضعاف حين ملكهم الله رقاب أقوياء الأمس اعتدوا وتجبروا وتسلطوا واستعملوهم في غير مرضاة الله فسخط الله عليهم.
رابعًا: تُستخدم القوة حين تُستنفذ طرق السلم والصلح:
قال تعالى:"إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَا إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا" [النساء 91، 90] .
قال القرطبي: أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا, وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم, وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم.
وقال الطبري: فإن تولى هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - , وأبوا الهجرة, فلم يهاجروا في سبيل الله, فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم, سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد وميثاق, فدخلوا فيهم وصاروا منهم ورضوا بحكمهم, فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم, أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم, ولا تغنم أموالهم.
ومع أن الطبري حكم بنسخ الآية ولكن يبقى موضوع حديثنا مما لا يلحقه النسخ، ليس للتقدم أو التأخر في نزول الآيات، أو الحسم الذي جاء في سورة براءة بعد أربعة أشهر ثم القتال العام، ولكن المقصود أن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت النزول إلى الصلح متى عُرض، كما في بني قينقاع وبني النضير والحديبية وخيبر وفدك وغيرها، ومع أن هذه الأحداث سبقت سورة براءة ولكن حكم المصالحة وأسبقيته للحرب استمر بفهم الصحابة وهم خير من علم الناسخ والمنسوخ، فمن المعلوم من سيرهم باتفاق، العرض: إما الإسلام وإما الجزية وإما الحرب، ولا يخفى أن الجزية هي من قبيل المصالحة.
خامسًا: أن يكون السلم هو محصلة الحرب وغايتها المنشودة: