الصفحة 99 من 216

والسلم هنا هو الأمان وما يكون ذلك إلا بالإسلام بإقرار الموافق والمخالف، فقد كانت الظعينة تجوب ديار الإسلام لا تخشى إلا الله، وأنها لو سارت وحدها في الصحاري والبراري لكانت آمنة مطمئنة، وفي الإسلام أمنت القوافل وما عادت تحتاج لمن يحميها كما كانت في زمن الجاهلية، وفي الإسلام أمنت حرية العبادات وطبق المسلمون شعائر دينهم بدون تحرشات الجاهلية، ومارس اليهود والنصارى عباداتهم على ما تم المصالحة عليه مع أمراء المسلمين.

والصلح مُقدم على الحرب كما في قوله تعالى:"وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [الأنفال 61] ، واعتبر سبحانه أن الحرب في ذاتها إذا قُصد بها غير مراد الله كانت من مستلزمات الفساد في الأرض، واعتبرها سبحانه صفةٌ لبني إسرائيل والله لا يحب المفسدين، قال تعالى:"كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [المائدة 64] .

ووجه الله سبحانه عباده المؤمنين إلى الالتزام بظاهر القول وعدم الخوض في النوايا للحكم على الآخرين، فقال جل في علاه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا"

لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" [النساء 94] ."

والرضا بالسلم وأن يكون محصلة الحرب هو ما كان من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده، فكان محصلة إجلاء اليهود من المدينة هو السلام، وما ألجأ المسلمون إلى إعلان الحرب إلا ما نقضوه هم من عقودهم وعهودهم، فلما نقضوا ما عاهدوا عليه وقعت العقوبة عليهم، وكانت المحصلة السلام، ولكن بما يحقق المصلحة للجميع وللمسلمين أولًا، وليس هذا من باب العصبية، فاليهود من طبعهم الخداع والخيانة ونبذ العهود، ومع ذلك أبقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، على ما في وجودهم من خطر قد يمكرونه بالتحالف مع الأعداء، وهذا ما حدث، ومع ذلك فقد جعل السلم هو المحصلة إلا في بني قريظة لخيانتهم في زمن الحرب فشُددت العقوبة، وفي الحديبية قال - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطة يُعظمون فيها حُرمات الله إلا أعطيتهم إياها" [البخاري عن المسور ومروان] .

وعلى هذا سار الأمر فصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على نصف ثمارهم،"ما بدا للمسلمين أن يقروهم في ديارهم"ومثله صلح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع نصارى بيت المقدس، وعمرو بن العاص - رضي الله عنه - مع قبط مصر.

والسياسة العامة رسمها ربعي - رضي الله عنه - بقوله:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

سادسًا: أن تعتمد على معطيات ترشح النجاح، فالخاسر يرغب بأن يكون الكل مثله:

وهذا واضحٌ من معطيات الخروج لبدر فقد قال تعالى:"وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ" [الأنفال7] ، فالذي كان عند الصحابة تأكيد رباني بحتمية النصر، وقد تكرر في كثير من المواقف، مثاله ما جاء في صحيح البخاري في معرض مراجعة عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، قال - رضي الله عنه:"قلت أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به، قال:"بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به"."

ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى:"وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِه" [الفتح 20] قال الطبري والقرطبي وابن كثير: إن الوعد في الآية هو فتح خيبر، أي أن خيبر كانت وعدًا من الله.

وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه فاخرج إليهم، قال:"فإلى أين؟"، قال: ها هنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم.

أي أن الله - عز وجل - هو الذي وجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وصحابة نبيه - رضي الله عنهم - لحرب قريظة، والوعد فيها بالنصر متحقق.

ومع انقطاع النبوة لم يبق متسع لطرح مسألة نزول الوحي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - على كائنٍ من كان، ولكن عموم أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، جعل الصحابة الكرام يثقون بما أخبرهم به - صلى الله عليه وسلم -، كما في حديث:"أي المدينتين تُفتح أولًا؟ قال: مدينة هرقل تُفتح أولًا يَعْنِي قسطنطينية"، وكالبشارة بفتح فارس والروم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت