الصفحة 94 من 216

وفي رواية البيهقي:"ويل امه محش حرب لو كان معه رجال".

-خداع أحد الأعداء ليخذل قومه:

كان نعيم بن مسعود رجلًا مشهورًا بنمه ونقله الحديث دون تثبت من مدي المصداقية ودون اكتراث لنتيجة قوله، وكان يرتاد على الجميع في مكة أو المدينة فهو من تجار غطفان، فلما كانت الخندق جاء عند المسلمين ونقل حديث المشركين فقال: إني كنت عند عيننة بن حصن الفزاري وأبي سفيان بن حرب إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا، وابعثوا إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، وتقاتلونهم أنتم مما يلي الخندق!، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سيقع من محاصرة المسلمين من جميع الجهات بما فيها الداخلية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فلعلنا أمرناهم بذلك"، ففهمها نعيم علي أنها مكيدة من اليهود ليسلموا محمد - صلى الله عليه وسلم - كبار رجال قريش وغطفان قوم نعيم، فأسرع بفطرته المجبولة على النم والنقل إلى غطفان ليخبرهم بما سمع، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فأمضه، وإن كان رأيا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال!، والمقصود من قول عمر: ألا تجرب العرب على محمد - صلى الله عليه وسلم - كذبًا، فقال - صلى الله عليه وسلم:"بل هو رأي رأيته، إن الحرب خدعة"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:علي الرجل، ردوه"، فردوه فقال:"أرأيتك الذي سمعتني أذكره آنفا ... أمسكتُ عنه، فلا تذكره لأحد!"، وقد أغراه - صلى الله عليه وسلم - ليحثه علي الحديث من باب أنه وقع على سر عظيم."

فانطلق نعيم حتى أتى عيينة بن حصن ومن معه فقال لهم: هل علمتم أن محمدًا قال شيئا قط إلا حقًا، قالوا: لا، قال: فإنه قد قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة:"فلعلنا نحن أمرناهم بذلك"، ثم نهاني أن أذكر لكم ... فانطلق عيينة بن حصن حتى لقي أبا سفيان بن حرب فأخبره، فقال أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكرا، فأرسل إلى بني قريظة: أنكم قد أمرتمونا أن نثبت، وطلبتم رجالًا منا يقاتلوا معكم، وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم، فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها قد دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئا، فقال أبو سفيان: إنما أنتم في مكر من بني قريظة، وإنهم لأهل غدر: فارتحلوا.

-مصالحة حليف على خذلان حلفائه:

في زاد المعاد: ولما طالت هذه الحالُ على المسلمين - أي محاصرة الأحزاب للمدينة-، أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُصالح عُيينةَ بنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بنَ عوف رئيسي غَطَفَان، على ثُلثِ ثِمار المدينةِ، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السَّعدين في ذلك، فقالا: يا رسولَ اللهِ؛ إن كان اللهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعُه لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللهِ وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكلُوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا له، وأعَزَّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا؟، واللهِ لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّبَ رأيَهما، وقال:"إنَّمَا هُوَ شَاءٌ أَصْنَعُه لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُم عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ".

-الجاسوسية و"الحرب الصامتة":

لا يخفى على كل واع ومُدرك لأبعاد نقل المعلومات أو تسريب الخطط أو خرائط السير، من أثر عظيم على مجريات الحرب الفعلية، وتفصيل هذا النوع في"الحرب المعلوماتية"، ولكن ما سيُطرح هنا بعض أبعاد الجاسوسية ودورها في الحرب الصامتة:

-نقل جاسوس لمخطط إدارة الحرب معناه إطلاع الخصم على كل ما يجول بفكر القائد، وهو يعني التحكم بمجريات المعركة باستقراء الخطة، فتصبح أفعاله استباقية أكثر منها ردة فعل، لأسبقيته في معرفة تكتيك المعركة.

-منع تسريب المعلومات يعني إخفاء أكثر من نصف ما يحتاجه الخصم، ليدير دفة المعركة في اتجاه تياره.

-تسريب المعلومات المقصودة تعني تضليل الخصم بحجم القوة والقدرة، فيُصاب بسوء تقدير للخصم، مما يجعل نهر المعركة لا يصب في بحر الانتصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت