الصفحة 150 من 216

ولا خلاف على أن الذي نقض العهد من بني قريظة هو كبيرهم الذي منَّاه ووعده حيي بن أخطب، فلما فتح الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قريظة شملت العقوبة الجميع بلا تمييز أو تفصيل لمن نكث أو أقر، ولم يفرق بين تاجر وخادم أو رفيع ووضيع، أو شيخ أو أجير حتي النساء والولدان استرقهم، وقتل بجريرة الكبراء والسادة كل من جرت عليه الموسي منهم، كما عند أبي داود والترمذي والنسائي عن عطية القرظي بسند حسن، وقال ابن القيم في الزاد: وضُربت أعناقهم وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة.

قال ابن حزم: وهذا عموم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يستبق منهم عسيفًا ولا تاجرًا ولا فلاحًا ولا شيخًا كبيرًا وهذا إجماع صحيح منه.

قال ابن القيم في الزاد: وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا صالح قومًا فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرهم الباقون ورضوا به غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل بقريظة، والنضير، وبني قينقاع وكما فعل في أهل مكة، فهذه سنته في أهل العهد وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وخالفهم أصحاب الشافعي، فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصة دون من رضي به وأقر عليه وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد ولهذا كان موضوعًا على التأبيد بخلاف عقد الهدنة والصلح.

والأولون يقولون لا فرق بينهما، وعقد الذمة لم يوضع للتأبيد بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه فهو كعقد الصلح الذي وضع للهدنة بشرط التزامهم أحكام ما وقع عليه العقد قالوا: والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوقت عقد الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة، بل أطلقه ما داموا كافين عنه غير محاربين له فكانت تلك ذمتهم غير أن الجزية لم يكن نزل فرضها بعد فلما نزل فرضها، ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد ولم يغير حكمه وصار مقتضاها التأبيد، فإذا نقض بعضهم العهد وأقرهم الباقون ورضوا بذلك ولم يعلموا به المسلمين، صاروا في ذلك كنقض أهل الصلح وأهل العهد والصلح سواء في هذا المعنى، ولا فرق بينهما فيه وإن افترقا من وجه آخر.

يُوضح هذا أن المقر الراضي الساكت إن كان باقيا على عهده وصلحه لم يجز قتاله ولا قتله في الموضعين، وإن كان بذلك خارجًا عن عهده وصلحه راجعًا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح، لم يفترق الحال بين عقد الهدنة وعقد الذمة في ذلك، فكيف يكون عائدًا إلى حاله في موضع دون موضع هذا أمر غير معقول.

توضيحه أن تجدد أخذ الجزية منه لا يوجب له أن يكون موفيًا بعهده مع رضاه وممالأته ومواطأته لمن نقض، وعدم الجزية يوجب له أن يكون ناقضًا غادرًا غير موف بعهده هذا بين الامتناع.

فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكفار، وعدم النقض في الصورتين وهو أبعد الأقوال عن السنة والتفريق بين الصورتين والأولى أصوبها، وبالله التوفيق.

وبهذا القول أفتينا ولي الأمر لما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته وكاد - لولا دفع الله - أن يحترق كله وعلم بذلك من علم من النصارى، وواطئوا عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجه من الوجوه أو رضي به وأقر عليه وأن حده القتل حتمًا، لا تخيير للإمام فيه كالأسير بل صار القتل له حدا، والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما لأحكام الله بخلاف الحربي إذا أسلم، فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام فهذا له حكم والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وأفتى به في غير موضع.

وكان هديه وسنته إذا صالح قوما وعاهدهم فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا معه في عقده صار حكم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من حاربه وبهذا السبب غزا أهل مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين تواثبت بنو بكر بن وائل، فدخلت في عهد قريش وعقدها، وتواثبت خزاعة فدخلت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعقده، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فبيتتهم وقتلت منهم وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح فعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزو بني بكر بن وائل لتعديهم على حلفائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت