الصفحة 149 من 216

فأجاب: الحمد لله. أما إذا فعل ذلك خطأ فديته على عاقلته بلا ريب، كالبالغ وأولى، وإن فعل عمدًا فعمده خطأ عند الجمهور: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه، وفي القول الآخر عنه وعن أحمد أن عمده إذا كان غير باغ في ماله، وأما"العاقلة"التي تحمل: فهم عصبته كالعم وبنيه والإخوة وبنيهم باتفاق العلماء، وأما أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته أيضا عند الجمهور: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى وهو قول الشافعي: أبوه وابنه ليسا من العاقلة، والذي"تحمله العاقلة"بالاتفاق ما كان فوق ثلث الدية: مثل قلع العين فإنه يجب فيه نصف الدية.

والمقصود أن هذا الصبي وهو دون البلوغ لو جنى على غيره، وجب عليه الدية ولكن من يدفعها؟

إنها العاقلة، أي العائلة والعصبة مع أنهم ما شاركوا في الجناية ولا أمروا بها ولا علموا، ومع ذلك تتحمل العاقلة جناية الصبي فضلًا عن الكبير، وفي هذا شمول للعقوبة وهي هنا"الدية"على الجميع دون النظر للفاعل أو سبب فعله.

وقد ثبت في أيما موضع من السيرة ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحصار على القرى والحصون بُغية فتحها، كخيبر والطائف وكما فعله ثمامة بن أثال - رضي الله عنه - حين هدد قريشًا بقوله:"لا والله لا يأتيكم من اليمامة حَبةُ حِنطة حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -" [الصحيحين عن أبي هريرة] ، ومن المعلوم أن الحصار يلحق الجميع بلا استئثناء، ودون تقصي لموضع الضرر ودون النظر للصغير أو الكبير أو الشيخ والمرأة.

وفي الرحيق: بعث - صلى الله عليه وسلم - بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسْفَان أتاه عينه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، واستشار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، وقال:"أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنق قطعها الله، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟"، فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فروحوا"، فراحوا.

وهذه الآيات والأحاديث على العموم تُدخل الجميع في العقاب إن رأوا المنكر ولم يغيروه، أو اطمأنت أنفسهم إليه أو سكتوا عنه، أما على التفصيل والتخصيص في الأدلة فقد أخرج الإمام مسلم عن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأسر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الوثاق، فقال: يا محمد، فأتاه، فقال:"ما شأنك؟"فقال: بما أخذتني وأخذت سابقة الحاج يعني العضباء؟ فقال:"أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف"،ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا رقيقًا، فرجع إليه فقال:"ما شأنك؟"قال: إني مسلم، قال:"لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح"، ثم انصرف، فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد، فأتاه فقال:"ما شأنك؟"، قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال:"هذه حاجتك"، ففدي بالرجلين.

جاء في نيل الأوطار للشوكاني: قوله:"بجريرة حلفائك"الجريرة الجناية. قال في النهاية: ومعنى ذلك أن ثقيفًا لما نقضوا الموادعة التي بينهم وبين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليهم بنو عقيل صاروا مثلهم في نقض العهد.

وعند ابن هشام حول سرية عبد الله بن جحش والتي قاتلت في الشهر الحرام، ونزل قول الله تعالى:"يَسْأَلُونَكً عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ" [البقرة 217] ، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم،"وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ"، أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل،"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا"، أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين، فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم ابن كيسان فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت