وروى ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعًا:"إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، قُبِضُوا معهم ثم بُعِثُوا على نياتهم وأعمالهم".
قال ابن حجر: فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي.
وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر - رضي الله عنه - على المنبر يقول: يا أيها الناس إني أراكم تتأولون هذه الآية:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" [المائدة 105] وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الناس إذا عُمل فيهم بالمعاصي فلم يُغيروا أو شك الله أن يعمهم بعقاب" [رواه أصحاب السنن والبيهقي وابن حبان في صحيحه] ، وفي رواية عند الترمذي وقال حسن صحيح وأبي داود:"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب".
وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم"رواه الترمذي وقال حسن.
قال ابن حجر في الفتح:"وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله عز وجل لا يُعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة"أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود وله شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره."
وفي الصحيحين من حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنمًا وإبلًا فعجل القوم فأغلوا بها القدور، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"فأمر بها فأكفئت".
وفي الأمر النبوي بإكفاء القدور وإتلاف اللحم تعميم للعقوبة على الجميع سواء من شارك في طبخه ومن سكت أو أقر ومن لم يعلم، قال ابن حجر في الفتح: وحمل البخاري الإكفاء على العقوبة بالمال، وإن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا، لكن لما تعلق به طمعهم، كانت النكاية حاصلة لهم.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ (وفي رواية: وفيهم المكره) ، قال:"يُخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم".
ومن المعلوم أن ذلك يكون في آخر الزمان والذي هو إرهاصًا لقدوم المهدي، فتكون علامة ظهوره خسف بهذا الجيش، والله سبحانه ما فرَّق في الخسف بين القاصد والمحارب وبين المُكره ومن ليس منهم، بل شملهم بالعذاب ثم يبعثهم على نياتهم، وإذا كان الله سبحانه وهو القادر بعلمه وقدرته على الفصل في العذاب بين المُستحق والمُرغم، ومع ذلك شمل الجميع بالعذاب، فهل يقدر المسلم على الفصل والذي مدار أمره على الاجتهاد بين مصيب ومخطئ؟ وهل سيقدر بجهله وقلة علمه على الفصل والتمييز؟
إننا لا نعدو أن نكون معذورين باجتهادنا، وهم مغفور لهم بخروجهم مُكرَهين أو جاهلين ومن ثم يُبعثون على نياتهم والله الموفق، قال تعالى:"قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ" [التوبة: 52] .
ثم إن الله سبحانه أغرق فرعون بقادته وجيشه ما استثنى منهم أحدًا سبحانه، وهو القادر جعل في علاه على التمييز، فلم يخرج من الإغراق من كان مستكرهًا أو ضعيفًا أو ذا الحاجة، أو من يكتم إيمانه.
وحين نزلت الآيات التسع على فرعون وملئه بالعقوبة، ما ميزت أو فصّلت بين المستحق وغيره.
وفي مجموع الفتاوى لابن تيمية: سُئل رحمه الله تعالى عن صبي دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دية: مثل أن يكسر سنًا أو يفقأ عينًا ونحو ذلك خطأ، فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دية الجناية من أبي الصبي وحده إن كان موسرا؟ أم يطلبوها من عم الصبي أو ابن عمه؟