الصفحة 166 من 216

ثم نقضت بنو النضير العهد فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم بعد أحد، قال ابن القيم: فحاصرَهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - - قيل ست ليال وقيل خمس عشرة ليلة-، وقطَعَ نخلهم، وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأَنزلَهم على أن يخرجوا عنها بنفوسِهم وذراريهم، وأن لهم ما حَمَلَتِ الإبلُ إلا السلاَح، وقبض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأموالَ والحَلْقَةَ، وهى السلاح، وكانتْ بنو النضير خالِصةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِنوائبه ومصالحِ المُسلمين، ولم يُخمِّسها لأن الله أفاءها عليه، ولم يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ.

قال مالك: وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حُيىَ بنُ أَخْطَب كبيرُهم، وقبض السِّلاح، واستولى على أرضهم وديارِهم وأموالهِم، فوجد من السِّلاح خمسينَ دِرعًا، وخمسينَ بَيْضةً، وثلاثَمِائةٍ وأربعين سيفًا.

ثم نقضت قريظة العقد في الأحزاب فخرج اليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصرهم خمسًا وعشرين ليله، ثم نزلوا على حكم سعد: أن يُقتل الرجال وتُسبي النساء وتُقسم الأموال، قال صاحب الرحيق: كانوا - أي بني قريظة- قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفًا وخمسمائة سيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس، وحَجَفَة، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم.

وكان من خبر خيبر أنهم جمعوا الأحزاب لمحاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك بمثابة إعلان الحرب على الدولة الإسلامية، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش الإسلام بعد الحديبية، قال صفي الرحمن: وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض، نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون حتى يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم، وكان عبد الله بن رواحة يخرصه عليهم.

وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد.

ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر، وما رواه عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر، ولما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل.

وفي الرحيق: ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر، بعث مُحَيِّصَة بن مسعود إلى يهود فَدَك، ليدعوهم إلى الإسلام، فأبطأوا عليه، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما عامل عليه أهل خيبر، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة؛ لأنه لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.

-الاستنزاف العسكري وتقوية الجيش الإسلامي:

في بدر لم يكن مع المسلمين إلا فرسان، أصبحت في الخندق مائتا فرس، وفي بدر كان كل ثلاثة يتناوبون بعيرًا بمجموع يقارب السبعين بعيرًا، وكان من غنائم بدر وحدها مائة وخمسون بعيرًا، أما السلاح فقد كانت السيوف في بدر في الخرق، وفي جلاء بني قينقاع لم يتحصل المسلمون على كثير لأنهم مضوا بسلاحهم، غير ثلاثة سيوف وثلاثة رماح ودرعين وبعض الذي وجدوا في دورهم، ولكن عند بني النضير جمع المسلمون خمسين درعًا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفًا وفي قريظة: ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وجحفة ... [إمتاع الأسماع للمقريزي] ، بخلاف ما كانوا يتحصلون عليه من الغارات على القبائل وما تملكوه من خيبر.

روى ابن إسحاق في حصار حصن الصعب ثاني حصون يهود خيبر: أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: لقد جهدنا، وما بأيدينا من شيء، فقال:"اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غَنَاء، وأكثرها طعامًا ووَدَكًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت