كانت أول الغزوات التي غنمت قافلة لقريش سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة في رجب من السنة الثانية للهجرة، وكان من خبرها كما قال ابن القيم: ... فمرَّت به عِيرٌ لقريش تَحْمِلُ زبيبًا وأَدَمًا وتِجارةً فيها عَمْرو بن الحَضْرَمى، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكمُ بنُ كيسان مولى بنى المغيرة ... ثم أجمعوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عَمْروًا بن الحضرمى فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفْلَتَ نوفل، ثم قَدِمُوا بالعِير والأسيرين، وقد عزلوا مِن ذلك الخُمس، وهو أول خُمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام.
قال المباركفوري: وبعد وقوع ما وقع في سرية عبد الله بن جحش تحقق خوف المشركين وتجسد أمامهم الخطر الحقيقي، ووقعوا فيما كانوا يخشون الوقوع فيه، وعلموا أن المدينة في غاية من التيقظ والتربص، تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، وأن المسلمين يستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل تقريبًا، ثم يقتلوا ويأسروا رجالهم، ويأخذوا أموالهم، ويرجعوا سالمين غانمين، وشعر هؤلاء المشركون بأن تجارتهم إلى الشام أمام خطر دائم.
قال ابن سعد: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكبًا يتعرض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة وكانت لصفوان بن أمية، وأسروا ناسًا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع وقدم بهم إلى المدينة، فاستجار أبو العاص بن الربيع بزينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجارته، ونادت في الناس حين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر: إني أجرت أبا العاص فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وما علمت بشيء من هذا وقد أجرنا من أجرت"، ورد عليه ما أخذ منه.
-ثمامة بن أثال والاستنزاف الاقتصادي:
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد ... فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ... فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟، فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [الزاد] .
قال صاحب الزاد: وكانت اليمامةُ ريفَ مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحملَ إلى مكة حتى جَهِدَتْ قريش، فكتبوا إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يسألُونه بأرحامهم أن يكتُب إلى ثُمامةَ يُخلِّى إليهم حملَ الطعام، ففعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-استنزاف الوجود اليهودي في المدينة:
كان للتواجد اليهودي في المدينة أثره السيء على بناء الدولة الإسلامية، لعدم توفر معطيات الأمان ولنزعة عدم الثقة الطبيعية بين الأنصار واليهود، من جهة خاصة لتعاملهم المطول من قبل، وبين المسلمين واليهود على العموم.
وقّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الطوائف الثلاث اليهودية عقد أمان ومناصرة، هذا كحل مؤقت حتى يتم التفرغ لهم، لأن طبيعتهم الخائنة وقوتهم الكامنة لا يُستهان بها خصوصًا إذا خرج الجيش المسلم من المدينة، لذلك اعتمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظرية الاستنزاف لهذه القوة جزءًا جزءًا.
أقطاب القوة عند اليهود في المدينة ثلاثة: بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة:
أما بنو قينقاع فقد أجلاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد بدر بحديث مشهور في الصحيح والسنن وقد تفرقوا في الشام وهلك أكثرهم، ثم كان الجلاء من نصيب بني النضير بعد أحد بحديث تداوله أهل الصحيح والسنن والمسانيد والسير وقد توجه أكثرهم إلى خيبر، وأما بنو قريظة فقد تم إجلاؤهم عن المدينة بعد الخندق، ولكن بطريقة تختلف عن السابقة فتلك الطائفتان أُجلوا أحياء، أما بنو قريظة فأجلوا أمواتًا لأن الحكم فيهم: أن يقتل الرجال وتسبى النساء والذرية، كما في الصحاح والسنن.
والمقصود أن استنزاف الوجود اليهودي في المدينة كقوة مماثلة للقوة الإسلامية كان على مراحل، بحيث لا تنصر قوة أخرى، فلم يتحرك بنو النضير وبنو قريظة لنُصرة إخوانهم بني قينقاع، وكذلك لم تتحرك قريظة نُصرةً لبني النضير.
-استنزاف المال والسلاح اليهودي:
نقضت بنو قينقاع العهد، فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم بعد بدر، وبعد حصار دام خمس عشرة ليلة استسلموا قال صفي الرحمن: وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم أموالهم، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم.