الصفحة 164 من 216

"حرب الاستنزاف"هي حرب متواصلة شاملة ولكنها غير مستمرة الجريان، أي أنها تأخذ طابع التقطع في الأغلب، بطيئة نعم، وغير واضحة المعالم صحيح، ولكنه تظهر بأثرها وما تدل عليه.

"حرب الاستنزاف"غير محددة الوجهة، بمعني لا تهتم بنوع معين من أنواع الحروب بل لها من كل طيب نصيب، ومجالها استهداف قدرات الخصم سواءً المادية أو المعنوية بهدف إضعاف قوته والتأثير سلبًا علي نفسيته أو قدرته القتالية، لذلك تدخل في سائر أنواع الحروب: النفسية والاقتصادية والهجومية.

-استنزاف قريش معنويًا:

وتمثل هذا الاستنزاف بتكرار السرايا والغزوات التي استهدفت عير قريش سواء في ذهابها أو مرجعها، حتى دعاهم لأن يعقدوا مجالس لمعالجة هذا الأمر الذي أرهقهم وأعياهم فوضعوا خطط تعديل الممر وزيادة عدد الحرس، قال المباركفوري: سرية زيد بن حارثة وتفصيلها: أن قريشًا بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب، وجاء الصيف، واقترب موسم رحلتها إلى الشام، فأخذها هَمٌّ آخر.

قال صفوان بن أمية لقريش - وهو الذي نخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها - إلى الشام: إن محمدًا وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء.

ودارت المناقشة حول هذا الموضوع، فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق - وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل - فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فُرَات بن حَيَّان - من بني بكر بن وائل - دليلًا له، ويكون رائده في هذه الرحلة.

وقد مَثّل استهداف القوافل وكثرة السرايا دليل على اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا النوع من الحروب، وقد ظهر أثره جليًا على كل بيت في قريش، قال المباركفوري: وأما خبر العير فإن أبا سفيان - وهو المسئول عنها - كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار، وكان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وخرج ضمضم سريعًا حتى أتى مكة، فصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث. . . الغوث.

ومن السرايا التي سارت تخدم هذه النظرية:

-سرية حمزة بن عبد المطلب على رأس سبعة أشهر من الهجرة. [الزاد] .

-سرية سعد بن أبى وقاصٍ إلى الخرَّارِ في ذي القَعدة على رأس تسعة أشهر. [الزاد] .

-أول غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي غزوة"وَدَّان"ويقال لها"الأبواء"أيضًا على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره. [الزاد] .

-غزوة بواط بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثةَ عشرَ شهرًا مِن مُهَاجَرِهِ. [الزاد] .

-غزوة العشيرة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جُمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا من مهاجره، فوجد العِيرَ قد فاتته بأيام، وهذه هي العيرُ التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام. [الزاد] .

-سرية عبد الله بن جَحْشٍ الأسَدِىَّ إلى نَخْلَةَ في رجب، على راسِ سبعةَ عشر شهرًا مِن الهِجْرة. [الزاد] .

يدل عدد الغزوات وتلاحقها بل ومبدأها من بعد سبعة أشهر من الهجرة، على اعتماد مبدأ الاستنزاف لمعنويات قريش وإثارة حفيظتها خوفًا على مصدر رزقها الوحيد، وهو ما أثار الهلع في نفوسهم، وجعلهم يتحركون من حيث لا يشعرون حماية لهذا الأمر، وهو ما كان سببًا لبدر: استرداد المهابة على القوافل وطريق التجارة، قال أبو جهل بعد سماعه نبأ نجاة القافلة: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا، فنقيمَ بها، ونُطعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِن العرب، وتخافُنَا العربُ بعد ذلك.

-استنزاف قريش اقتصاديًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت