الصفحة 163 من 216

قال ابن سعد في معرض ذكره لحصار الطائف: ولم يُؤذَن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فتح الطائف، واستشار رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نوفلَ ابنَ معاوية الدِّيلى، فقال:"ما ترى؟"فقال: ثَعْلَبٌ في جُحْرٍ، إن أقمتَ عليه أخذتَه، وإن تركتَه لم يضرك. فأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عمرَ بن الخطاب، فأذَّن في الناس بالرحيل، فضجَّ الناسُ من ذلك، وقالوا: نرحل ولم يُفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فاغدُوا على القتال"فَغَدَوْا فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّا قَافِلُونَ غدًا إن شاء اللهُ"، فسُرُّوا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك.

وموقف الانسحاب دون تحقيق النتائج مع أثره وتبعاته لا يقدر عليه الا آساد الرجال وليوث القتال ممن خبر الحرب وسبر الأغوار وعرف مواطن الانتصار، فلا يقدم على ما فيه مهلكة للرجال أو مضيعة لما تحقق من قبل.

وقرار الانسحاب جد خطير لما يحدثه من انشقاق في أفئدة وأدمغة أفراد الجيش، بما يدعوهم للمخالفة أو على الأقل المناقشة، والأخذ والرد، وعليه فقرار الانسحاب بمثابة شعرة بين اليأس من تحقيق المراد وبين الحفاظ على المكتسبات هذا من ناحية مادية، أما من ناحية معنوية فهو الشعرة الفاصلة بين انهزام الجيش النفسي وبين انتصار الخصم وكلاهما له انعكاساته المستقبلية.

-مهاجمة قوافل قريش:

وقد كان وقعها شديدًا على قريش، فالتجارة مصدر الرزق الوحيد عندهم، واستهدافها يعني القضاء علي مركز القوة القرشية، والتي استهدفها زيد بن حارثة على ما جاء في التفصيل عند صاحب الرحيق: أن قريشًا بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب، وجاء الصيف، واقترب موسم رحلتها إلى الشام، فأخذها هَمٌّ آخر.

قال صفوان بن أمية لقريش - وهو الذي نخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام-: إن محمدًا وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء.

ودارت المناقشة حول هذا الموضوع، فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق - وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل - فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فُرَات بن حَيَّان - من بني بكر بن وائل - دليلًا له، ويكون رائده في هذه الرحلة.

ومتابعة"حرب الأعصاب"مما يطول التدليل عليه وتقصيه، ولو أُفرد له مجلد خاص لكان يعطيه بعض حقه، فارتباطاته وأثرها وإسباقياته والنتيجة، لها وقع بادي التأثير في مجريات الحرب، وله من تعدد الصور الشئ الكثير، فالاغتيالات مثلًا توقع في الأعصاب ما لا يوقعه قتل رجل لرجل مبارزة، وتهديد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمية بالقتل أبقاها ذكرى مؤرقة لأمية عند كل حدث، وإخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمه بخبر الأرضة التي أكلت الصحيفة ثم تحدي أبي طالب لقريش أن يسلمهم ابن أخيه إن كان كاذبًا توتر الأعصاب وترهق التفكير، ومنها ما أوقعته مراهنة أبي بكر للمشركين حول انتصار الروم على فارس وأخذها سبع سنوات ورغبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لو جعلها لتسع، ولا يخفى تأثير حرب أعصاب يستمر بناءً على مراهنة لما يزيد عن سبع سنوات، والهجرة وما فيها، وحرب التشكيك الذي مارسه اليهود والمنافقون في أغلب المراحل العصيبة، وحرب السخرية والاستهزاء من قريش واليهود والمنافقين، وكذلك حرب الشائعات كاستباحة الأشهر الحرم مثلًا، أو الطعن في الدين والتقليل من شأنه كما حدث عند زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من زينب رضي الله عنها، أو عند تحويل القبلة.

كل هذه الأحداث وغيرها كثير من المواقف، تستدعي اللبث عندها ولو كإطلالة علَّ المسلم يستقي منها منهج السلوك في مواجهة"حرب الأعصاب"، ليخرج منها قوي النفس ثاقب البصر، ويستفيد منها في حربه العقلية والتي يحقق من خلالها النصر الأكيد.

حرب الاستنزاف

جاء في لسان العرب: فلانًا خرج منهُ دم كثير حتى يضعف فهو نزيف ... واستنزف الدمع استخرجهُ كلَّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت