النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ"، ثم تلا هذه الآية:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير" [الحجرات: 13] . ثم قال:"يَا مَعْشَرَ قُرَيْش؛ مَا تَرَوْنَ أنِّى فَاعِلٌ بكم؟"قالوا: خيرًا، أخ كريم وابنُ أخ كريم، قال:"فإنِّى أقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإخْوَتِهِ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم اليَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"."
-حرب الأعصاب في غزوة المريسيع:
وحاصلها اتهام الكريمة بنت الكرام عائشة - رضي الله عنها ولا رضي عمن يطعن فيها - بالزنا، وكان الذي تولى كِبر هذه الفرية رأس النفاق ابن أبي بن سلول - عليه لعائن الله المتتالية إلي يوم القيامة -، قال ابن القيم: ووجد الخبيثُ عدوُّ اللهِ ابنُ أُبىّ متنفَّسًا، فتنفَّس مِن كَرْبِ النفاق والحسدِ الذي بين ضُلوعه، فجعل يَستحكي الإفكَ، ويَستوشِيه، ويُشِيعه، ويُذِيعه، ويَجمعُه، ويُفرِّقه، وكان أصحابُه يتقرَّبُونَ به إليه، فلما قَدِمُوا المدينةَ، أفاضَ أهلُ الإفكِ في الحديثِ، ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ساكِتٌ لا يتكلَّم ثم استشار أصحابَه في فراقها، فأشار عليه علي - رضي الله عنه - أن يُفارقَهَا، ويأخُذَ غيرها تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أُسامةُ وغيرُه بإمساكِها، وألا يلتفِتَ إلى كلام الأعداء.
فإن قيل: فما بالُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - توقَّفَ في أمرها، وسألَ عنها، وبحَثَ، واستشارَ، وهو أعرفُ باللهِ، وبمنزلتِهِ عِندهُ، وبما يليقُ به؟ وهَلاَّ قال:"سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" [النور 16] ، كما قاله فضلاءُ الصحابة؟
فالجوابُ هذا مِن تمامِ الحِكَمِ البَاهِرةِ التي جعل اللهُ هذهِ القِصةَ سببًا لها، وامتحانًا وابتلاءً لرسولهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولجميع الأمة إلى يومِ القيامة، ليرفع بهذه القصة أقوامًا، ويضعَ بها آخرينَ، ويزيدَ اللهُ الذين اهتَدَوْا هُدىً وإيمانًا، ولا يزيدُ الظالمين إلا خَسارًا، واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحىُ شهرًا في شأنها، لا يُوحى إليه في ذلك شئ لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِقُونَ إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحُسْنِ الظنِّ بالله ورسولهِ، وأهلِ بيتهِ، والصِّدِّيقينَ مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويُظْهِرَ لِرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبوديةُ المرادة مِن الصِّدِّيقة وأبويها، وتتمَ نعمةُ اللهِ عليهم، ولِتشتد الفاقةُ والرغبةُ مِنها ومِن أبويها، والافتقارُ إلى اللهِ والذلُّ له، وحُسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ مِن حصول النُّصرةِ والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفّت هذا المقَام حقًَّه، لما قال لها أبواها: قُومى إليه، وقد أنزلَ اللهُ عليه براءتَها، فقالت: واللهِ لا أقُومُ إلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلاَّ اللهَ، هُو الذي أنْزَلَ بَرَاءَتِى.
وأيضًا فكان مِن حكمةِ حَبْس الوحي شهرًا، أن القضية مُحِّصَتْ وتمحَّضتْ، واستشرفَتْ قلوبُ المؤمنين أعظَم استشرافٍ إلى ما يُوحيه اللهُ إلى رسوله فيها، وتطلَّعت إلى ذلك غايةَ التطلُّع، فوافى الوحيُ أحوجَ ما كان إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأهلُ بيته، والصِّدِّيقُ وأهلُه، وأصحابُه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيثِ على الأرضِ أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقع وأَلطَفَه، وسُرُّوا به أتمَّ السُّرورِ، وحصل لهم به غايةُ الهناء، فلو أطلع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكمُ وأضعافُها بل أضعافُ أضعافها.
-الحصار وحرب الأعصاب:
والحصار بطبعه حرب أعصاب بما تولده الكلمة في الأفهام من معاني، لعدم توافر معطيات الخروج من الأزمة، لأنها منوطة بالمحاصِر أكثر من ارتباطها بالمحاصَر، وهي على الطرفين مؤثرة، ولكن وقعها على المحاصَر أشد، فهو بين انتفاء مقومات الصمود وبين ضغط الواقع، مما يضطره للنزول على الحكم الذي لو دعي لعُشره قبل الحصار وقبله لكان خير له، لما فيه من حفظ لماء الوجه وبقايا العز على اعتبار أنه اتفاق مصالحة بين الطرفين، أما الآن فهو منوط بقرارٍ تحت ظلال الرماح فما يبقي للأنفة والشموخ موضع سوط، فحصار بني قريظة أدى باليهود للنزول للحكم وكان فيه تقتيل المقاتلة وسبى النساء والذرية، مع ما فيه من رعب يُسيطر على النفوس في كل لحظة وحين، بحيث يعجز الجميع عن النوم أو الراحة بل هم في حالة ترقب وحذر دائمين، وقد عاشه الصحابة - رضي الله عنهم - واقعًا حيًا في الخندق على الرغم من تحملهم المشاق والصعاب من قبل.
وأما وقعه على المحاصِر فهو لا يقل شدة عن المحاصَر لعدم وضوح معالم النصر، ولما يوقعه التراجع من هزيمة نفسية وانكسار هيبة الجيش، وقد ظهر أثره واضحًا في حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لليهود في خيبر، فربما عانى منه الصحابة - رضي الله عنهم - أكثر مما عاناه اليهود، لتوفر الموارد والمؤن وشدة الحصون ومنعتها ووجود المقاتلة.