قال: ويلكم، لا تغرَّنَّكُم هذه مِن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قِبَلَ لكم به، مَن دخل دار أبى سفيان، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، قالوا: قاتلكَ اللهُ، وما تُغني عنا دارُك؟ قال: ومَن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، فتفرَّق الناسُ إلى دورهم وإلى المسجد
-حرب الأعصاب في تهديد سعد:
قال ابن القيم: ... وكانت رايةُ الأنصار مع سعد بن عُبادة، فلما مرَّ بأبي سفيان، قال له: اليَوْم يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليومَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمةُ، اليَوْمَ أذَلَّ اللهُ قُرَيْشًَا.
فلما حاذى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان، قال: يا رسول الله، ألم تسمعْ ما قال سعد؟ قال:"وما قال؟"، فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عَوْف: يا رسولَ الله؛ ما نأمن أن يكون له في قُريش صَوْلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بَلِ اليَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فيه الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللهُ فيه قُرَيْشًا". ثم أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد، فنزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه.
-حرب الأعصاب تجتاح القلوب في فتح مكة:
في الزاد: وسار رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل مكة من أعلاها، وضُرِبَت له هنالك قُبَّة، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالدًا بنَ الوليد أن يدخلها من أسفلها، وكان على المُجَنِّبَةِ اليُمنى، وفيها أسلم، وسُليم، وغِفار، ومُزَيْنَة، وجُهينة، وقبائل مِن قبائل العرب، وكان أبو عُبيدة على الرجالة والحُسًَّرِ، وهم الذين لا سلاح معهم، وقال لخالد ومَن معه:"إن عرضَ لكم أحد من قُريش، فاحصدوهم حصدًا حتى تُوافوني على الصَّفا"، فما عرض لهم أحد إلا أنامُوه، وتجمَّع سفهاء قريش وأخِفَّاؤُها مع عِكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أُميَّة، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَةِ لِيقاتِلُوا المسلمين، وكان حِمَاسُ بنُ قيس بن خالد أخو بنى بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت له امرأتُه: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لِمحمد وأصحابه، قالت: واللهِ ما يقومُ لِمحمد وأصحابه شاء، قال: إنى واللهِ لأرجو أنْ أُخْدِمَك بعضهم، ثم قال:
إنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمَا لى عِلَّه * هذا سِلاَحٌ كَاملٌ وألَّه * وذُو غِرارَيْنِ سَريعُ السَّله.
ثم شهد الخَنْدَمَةَ مع صفوان وعِكرمة وسهيل بن عمرو، فلما لَقِيَهُم المسلمون ناوشوهم شيئًا من قتال، فقتل كُرز بن جابر الفهرى، وخُنَيْس بن خالد ابن ربيعة من المسلمين، وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذَّا عنه، فسلكا طريقًا غيرَ طريقه، فقُتِلا جميعًا، وأُصيبَ من المشركين نحو اثنى عشر رجلًا، ثم انهزموا، وانهزم حِماس صاحبُ السلاح حتى دخل بيته، فقال لامرأته: أغلقي عليَّ بابى، فقالت: وأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنَّكِ لَو شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمه * إذْ فَرَّ صَفْوانُ وَفَرَّ عِكْرِمَه * وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيوف المُسْلِمَه * يَقْطَعْنَ كَلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَه * ضَرْبًا فلا نَسْمَعُ إلاَّ غَمْغَمَه * لَهُمْ نَهِيتٌ حَوْلَنَا وَهَمْهَمَه * لَمْ تَنْطِقِى في اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَه.
وقال أبو هريرة: أقبل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل مكة، فبعث الزبيرَ على إحدى المجنبتين، وبعث خالدًا بن الوليد على المجنبةِ الأُخرى، وبعث أبا عُبيدة ابنَ الجراح على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادى ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته، قال: وقد وبَّشت قريش أوباشًا لها، فقالوا: نُقَدِّم هؤلاء، فإن كان لِقريش شاء كنا معهم، وإن أُصيبُوا أعطينا الذي سُئِلنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا أبا هريرة"، فقلتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسعدَيك، فقال:"اهْتِفْ لى بالأنصارِ، ولا يَاتِينى إلاَّ أنْصارى"، فهتف بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"أَتَروْنَ إلى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِم؟"، ثمَّ قال بيديه إحداهما على الأُخرى:"احْصُدُوهُم حَصْدًا حتَّى تُوافُونِى بالصَّفَا"، فانطلقنا، فما يشاءُ أحد منا أن يقتُلَ منهم إلا شاء، وما أحد منهم وجَّه إلينا شيئًا.
-ما بعد الفتح:
قال ابن القيم: ثم أغلق عليه البابَ - أي باب الكعبة-، وعلى أُسامة وبلال، فاستقبل الجِدَارَ الذي يُقابل البابَ، حتى إذا كانَ بينَه وبينَه قدرُ ثلاثةِ أذْرُعٍ، وقف وصلَّى هناك، ثم دار في البيت، وكبَّر في نواحيه، ووحَّد الله، ثم فتح البابَ، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنَعُ، فأخذَ بعضَادتي الباب، وهم تحتَه، فقال:"لا إلَهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَريكَ له، صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، ألا كُلُّ مَاثُرَةٍ أوْ مَال أوْ دَم، فَهُو تَحْتَ قَدَمَي هاتين إلاَّ سِدَانة البيْت وسقَايةَ الحَاجِّ، ألا وَقَتْلُ الخَطَأ شِبْهُ العَمْدِ السَّوطُ والعَصا، ففيهِ الدِّيةُ مُغَلَّظَةً مائة مِنَ الإبلِ، أرْبَعُونَ مِنْهَا في بُطُونِها أوْلادُها، يَا مَعْشَرَ قُرَيْش، إنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُم نَخْوَةَ الجَاهِلِيَّةِ وتَعظُّمَها بالآباء،"