فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِك وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا" [الفتح:2،1] ، فقال عمر: أوَ فتحٌ هُوَ يا رسول الله؟ قال:"نعم"، فقال الصحابةُ: هنيئًا لكَ يا رَسُولَ اللهِ، فما لَنَا؟ فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ:"هو الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ" [الفتح 4] ."
-نقض قريش لصلح الحديبية وما تلاه من ذعر دب في قلوبهم:
ظاهرت قريش بني بكر حلفهم علي خزاعة حلف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلما تنامى خبر الغدر اشرأبت الأعناق وأدركت قريش عِظم الخطأ الذي ارتكبته، فأرسلت أبا سفيان ليجدد العهد ويميد العقد، قال ابن القيم نقلًا عن ابن اسحاق: ثم خرج بُديل بنُ ورقاء في نَفَرٍ من خُزاعة، حتى قَدِمُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبروه بما أُصيب منهم، وبمُظَاهَرَةِ قريش بنى بكر عليهم، ثم رجعُوا إلى مكة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس:"كَأَنَّكُم بأَبِى سُفْيانَ، وَقَدْ جَاءَ لِيَشُدَّ العَقْدَ وَيَزِيدَ في المُدَّة".
ومضى بُديل بنُ ورقاء في أصحابه حتى لَقُوا أبا سفيان بنَ حرب بعُسفان وقد بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِيَشُدَّ العقدَ، ويزيدَ في المدة، وقد رَهِبُوا الذي صنعوا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قَدِمَ المدينة، فدخل على ابنتِه أُمِّ حبيبة، فلما ذهب لِيجلس على فِراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، طَوَتْهُ عنه، فقال: يا بُنية؛ ما أدري أَرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فِراشُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مُشرك نَجَسٌ، فقال: واللهِ لقد أصابك بعدى شر.
ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلَّمه، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، ثم ذهبَ إلى أبى بكر، فكلَّمه أن يُكَلَّمَ لَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بنَ الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفعُ لكم إلى رسولِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فواللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبى طالب، وعنده فاطمَةُ، وحسنٌ غلامٌ يَدِبُّ بين يديهما، فقال: يا علي، إنك أمسُّ القومِ بي رحمًا، وإني قد جئتُ في حاجة، فلا أرْجِعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفع لى إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سُفيان، واللهِ لقد عزم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيعُ أن نُكَلِّمَه فيه، فالتفتَ إلى فاطمة فقال: هَلْ لَكِ أَنْ تأمُرى ابْنَك هذا، فيجير بينَ الناس، فيكون سيدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: واللهِ ما يبلغُ ابنى ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: يا أبا الحسن، إنى أرى الأُمورَ قد اشتدت علىَّ، فانصحنى، قال: واللهِ ما أعلم لك شيئًا يُغنى عنك، ولكنك سَيدُ بنى كِنانة، فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أَوَ ترى ذلك مغنيا عنى شيئًا، قال: لا واللهِ ما أظنه، ولكنِّى ما أجد لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس؛ إنى قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمدًا فكلَّمتُه، فواللهِ ما ردَّ علىَّ شيئًا، ثم جئتُ ابن أبى قُحافة، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئتُ عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدُو، ثم جئتُ عليًا فوجدته ألين القوم، قد أشار علىَّ بشئ صنعته، فواللهِ ما أدرى، هل يُغني عني شيئًا، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلتُ، فقالُوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلَك، واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، قال: لا واللهِ ما وجدتُ غير ذلك.
-فتح مكة وموقف أبي سفيان:
ذكر ابن القيم في الزاد: وأمر العباسَ أن يَحبِسَ أبا سفيان بمضيقِ الوادي عند خَطْمِ الجبل حتى تَمُرَّ به جنودُ الله، فيراها، ففعل، فمرَّتِ القبائلُ على راياتها، كلما مرَّتْ به قبيلةٌ قال: يا عباسُ؛ مَنْ هذه؟ فأقول: سُليم، قال: فيقول: مالى ولِسُليم، ثم تمرُّ به القبيلة، فيقول: يا عباسُ؛ مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالى ولمُزَيْنَة، حتى نَفَدَتِ القبائلُ، ما تَمُرُّ به قبيلة إلا سألنى عنها، فإذا أخبرتُه بهم قال: مالى ولبنى فلان، حتى مرَّ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبتِه الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق مِن الحديد، قال: سبحان اللهِ يا عباس، مَن هؤلاء؟ قال: قلتُ: هذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: واللهِ يا أبا الفضل؛ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابن أخيك الْيَوْمَ عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان؛ إنها النُّبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلتُ: النَّجاء إلى قومك ... ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قُريشًا، صرخ بأعلى صوته: يا معشرَ قُريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمَن دخل دارَ أبى سفيان، فهو آمن، فقامت إليه هندُ بنتُ عتبة، فأخذت بشَاربه، فقالت: اقتلُوا الحَميت الدسم، الأحْمَشَ السَّاقين، قُبِّح مِن طَلِيعَةِ قوم،