وذكر ابن سعد وابن هشام عدد الذين تخاذلوا فقال: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب عسكره ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي ومن معه على جده عسكره أسفل منه، نحو ذباب، وكان فيما يزعمون ليس بأقل المعسكرين، فلما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
-دور المنافقين في التخذيل يوم الأحزاب:
قال تعالى:"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا" [الأحزاب12 - 13] .
قال القرطبي:"وذلك أن طعمة بن أبيرق وابن قشير وجماعة نحو من سبعين رجلًا قالوا يوم الخندق: كيف يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرز".
قال سيد قطب في الظلال:"وجد هؤلاء ـ أي المنافقون ـ في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم آمنون من أن يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدقه في التوهين والتشكيك."
وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم، فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين!
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة، وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء.
فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري.
والخطر محدق والهول جامح، والظنون لا تثبت ولا تستقر! ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: (إن بيوتنا عورة) يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو، متروكة بلا حماية.
وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم من العذر والحجة: (وما هي بعورة) ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار: (إن يريدون إلا فرارا ) ) .
قال تعالى:"وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ" [التوبة65]
عند ابن كثير: قال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال. إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين.
قال الطبري عن قتادة أنهم قالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات.
-دور المنافقين في التخذيل يوم تبوك:
قال تعالى:"فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ" [التوبة 81 - 83] .
-قالوا:"لا تنفروا في الحر"، وهذا بحث عن أسباب التخذيل للوصول للنتائج التي يريدها المُخذِّل، والاحتجاج بالواهي من الأدلة التي تجد لها صدى عند ضِعاف الإيمان بحيث تمنعهم عن الطاعة، ولذلك جاء الرد الرباني علاجًا دقيقًا"قل نار جهنم أشد حرا"، أي إن ما تفرون منه هو ما ستلاقونه إن نكصتم عن أمر الله ...