الصفحة 179 من 216

-هؤلاء المُخذِّلون المخذولون خاتمة مطافهم الإتباع ولكن طمعًا في الغنائم، وهؤلاء في الجيش ما يزيدوه إلا رهقا، فلا يجب أن يؤخذوا ولا أن يُقاتلوا مع المؤمنين، وفي هذا العلاج الرباني استئصال لأسباب الخذلان من المنافقين، والقاعدة من رضي بالقعود أول مرة غير ممتنع بحقه أن يُخذل الجيش في وسط المعركة ليقعد مرة أخرى، وتقعيدًا لهذا المبدأ وهو عدم إخراج المخذلين مع من يريد الخروج لأنهم لا يزيدون الجيش إلا وهنًا، قال جل في علاه:"وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" [التوبة47،46] ، قال القرطبي: الخبال: الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف. والمعنى: أي ما زادوكم قوة ولكن طلبوا الخبال.

-لا يخرج المخذلون مع الجيش:

قال الشافعي في الأم: فأظهر الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أسرارهم وخبر السماعين لهم وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم، فأخبره - سبحانه وتعالى - أنه كره انبعاثهم فثبطهم إذ كانوا على هذه النية، كان فيهم ما دل على أن الله - عز وجل - أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به، من أن يغزو مع المسلمين لأنه ضرر عليهم ... فمن شهد بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه، ولم يكن لو غزا معه أن يسهم له ولا يرضخ، لأنه ممن منع الله - عز وجل - أن يغزو مع المسلمين لطلبه فتنته وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة، وإن هذا قد يكون ضررًا عليهم من كثير من عدوهم.

وقال ابن قدامة في المغني: ولا يستصحب الأمير معه مخذلًا وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويُزَهِّدَهم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مثل أن يقول الحر أو البرد الشديد والمشقة شديدة، ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا، ولا مرجفًا وهو الذي يقول: قد هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار وإطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد لقول الله تعالى:"وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ" [التوبة: 46 - 47] . ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم.

-"نعيم بن مسعود"رجل التخذيل الأول:

جاء في كثير من كتب السيرة قصة"نعيم بن مسعود"ودوره في التخذيل يوم الأحزاب، فهل هو الذي قام بهذا الدور، أم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من استخدمه ليخذل الأحزاب دون أن يشعر؟

المشهور في كتب السيرة أنه جاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا، وهو الذي صنع المكيدة بين قريش واليهود، جاء في الزاد تفصيل للذي فعله"نعيم"فقال ابن القيم: فكان مما هيَّأَ مِن ذلك، أن رجلًا مِن غَطَفَانَ يُقَال له: نُعَيْمُ بنُ مسعود بنِ عامر - رضي الله عنه -، جاء إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول اللهِ إني قد أسلمتُ، فمرني بما شئت، فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإنَّ الحَرْبَ خَدْعَة"، فذهب مِن فوره ذلك إلى بنى قُريظة، وكان عسيرًا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بنى قُريظة؛ إنكم قد حاربتُم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابُوا فُرصة انتهزوها، وإلا انشمَرُوا إلى بلادهم راجعين، وتركُوكُم ومحمدًا، فانتقم منكم. قالوا: فما العملُ يا نُعيم؟ قال: لا تُقاتِلُوا معهم حتى يُعطوكم رهائِن، قالوا: لقد أشرتَ بالرأى، ثم مضى على وجهه إلى قُريش، فقال لهم: تعلمون وُدِّى لكم، ونُصحى لكم، قالوا: نعم. قال: إن يهودَ قد نَدِمُوا على ما كان منهم من نقضِ عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلُوه أنهم يأخذون منكم رَهائِنَ يدفعونَها إليه، ثمَ يُمالِئُونه عليكم، فإن سألوكم رهائِنَ، فلا تُعطوهم، ثم ذهب إلى غَطَفَان، فقال لهم مِثْلَ ذلِكَ، فلما كان ليلةُ السبت من شوَّال، بعثوا إلى اليهود: إنَّا لسنا بأرض مُقام، وقد هلك الكُراعُ والخُفُّ، فانهضُوا بنا حتى نُنَاجِزَ محمَّدًا، فأرسل إليهم اليهود: إن اليومَ يومُ السبت، وقد علمتم ما أصاب مَنْ قبلنا أحدثُوا فيه، ومع هذا فإنَّا لا نُقاتِلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رَهائِنَ، فلما جاءتهم رُسُلُهُم بذلك، قالت قُريش: صدقَكُم واللهِ نُعيم، فبعثوا إلى يهود: إنَّا واللهِ لا نُرسِلُ إليكم أحدًا، فاخرجُوا معنا حتى نُناجِزَ محمدًا، فقالت قُريظة: صدقكم والله نُعيم، فتخاذلَ الفريقانِ.

[ابن إسحاق والواقدي وعبد الرزاق وموسى بن عقبة ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت