والصحيح في القصة أن نعيم بن مسعود قد استغله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للتخذيل بين الفريقين دون أن يشعر، بمعنى آخر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصب لنعيم فخًا محكمًا انزلق فيه"نعيم"بدافع حبه لنقل الشائعات وتداول كل ما يترامى إلى مسامعه من أخبار، فلما رأى الصدق في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ما لم يُعهد عليه غيره، أقنع نفسه أن ما يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم - كله صدق، فقام بدافع شهوة الحديث إلى نقل الخبر، فأوقع الفتنة بين الأحزاب دون أن يعلم أنه بهذا يقدم أعظم خدمة للمسلمين وهي تخذيل الأحزاب.
وقبل الخوض في الذي فعله نعيم بن مسعود في الأحزاب لابد من استعراض الأدلة على طبيعة"نعيم"بنقل الكلام، وهل هذا من سليقته وجبلته؟؟
جاء في الرحيق المختوم: سرية زيد بن حارثة: وهي آخر وأنجح دورية للقتال قام بها المسلمون قبل أحد ... وتفصيلها: أن قريشًا بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب، وجاء الصيف، واقترب موسم رحلتها إلى الشام، فأخذها هَمٌّ آخر.
قال صفوان بن أمية لقريش ـ وهو الذي نخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام: إن محمدًا وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء.
ودارت المناقشة حول هذا الموضوع، فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق ـ وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل ـ فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فُرَات بن حَيَّان ـ من بني بكر بن وائل ـ دليلًا له، ويكون رائده في هذه الرحلة.
وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديدة، إلا أن أنباء هذه القافلة وخطة سيرها طارت إلى المدينة. وذلك أن سَلِيط بن النعمان- كان قد أسلم - اجتمع في مجلس شرب- وذلك قبل تحريم الخمر-مع نعيم بن مسعود الأشجعي- ولم يكن أسلم إذ ذاك - فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير وخطة سيرها، فأسرع سليط إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يروي له القصة.
وفي سبل الهدى والرشاد: قال أبو سفيان مخاطبًا بعض زعماء قريش: قد بعثنا نعيم بن مسعود لأن يخذل أصحاب محمد عن الخروج، وهو جاهد، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع- في حديث بدر الآخرة أو بدر الموعد-، فإن كان محمد لم يخرج بلغه أنا خرجنا فرجعنا، لأنه لم يخرج، فيكون هذا لنا عليه، وإن كان خرج أظهرنا أن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام عشب. قالوا: نعم ما رأيت.
وجاء في الطبقات الكبرى لابن سعد وسبل الهدى والرشاد للدمشقي: لما أراد أبو سفيان بن حرب أن ينصرف يوم أحد نادى بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقي بها فنقتتل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب قل نعم إن شاء الله فافترق الناس على ذلك ثم رجعت قريش فخبروا من قبلهم بالموعد وتهيئوا للخروج فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة فقال له أبو سفيان إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ببدر وقد جاء ذلك الوقت وهذا عام جدب وإنما يصلحنا عام خصب غيداق وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئ علينا فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذل أصحاب محمد قال نعم، ففعلوا وحملوه على بعير، فأسرع السير فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم وما معه من العدة والسلاح.
حتى إن القرطبي قال في قوله تعالى:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" [آل عمران 173] ، قال: قال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي: هو نعيم بن مسعود الأشجعي.
إذن هذه هي طبيعة نعيم بن مسعود: حب الحديث ونقل الكلام وإفشاء الأسرار والوقوع في النميمة وهذا كله في جاهليته، ولخبرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنفوس الرجال استطاع - صلى الله عليه وسلم - أن يستخدم هذا الرجل في خدمة الإسلام والمسلمين فما الذي حدث؟
كان نعيم بن مسعود رجلًا مأمونًا عند الكل سواء قريش أو غطفان أو اليهود وحتى المسلمون لموادعة تجارية كان مشهورًا بها، فكان يدخل على الجميع ويحدث الجميع، فلما كانت الخندق جاء عند المسلمين ونقل حديث المشركين فقال: إني كنت عند عيينة بن حصن الفزاري وأبي سفيان بن حرب إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن أثبتوا، وابعثوا إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، وتقاتلونه أنتم مما يلي الخندق!، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما سيقع من محاصرة المسلمين من جميع الجهات بما فيها الداخلية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فلعلنا أمرناهم بذلك"، ففهمها نعيم على أنها مكيدة من اليهود ليسلموا محمد - صلى الله عليه وسلم - كبار رجال قريش