الصفحة 7 من 216

القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟"، قلنا: لا، قال:"أرادوا أن يزحموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبة فيلقوه منها"، قلنا: يا رسول الله، أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال:"لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال:"اللهم ارمهم بالدبيلة"، قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال:"هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك".

والمقصود أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهتم بما سيقوله العرب مِنْ جراء هذا الموقف، ولكن ...

أيُفهم مِنْ هذا المنع مِنَ القتل تنازل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المواقف، وإبداء المرونة التي تمنع من إقامة القوانين الإسلامية؟

بمعنى في النظام المُعادي يستجيز الخصم كل فعل يُوصله للنتائج، بغض النظر عن الحِل والحُرمة والأخلاق والمبادئ، فكل ما يُتوصل به إلى النصر عنده مباح ولو أجمع أهل الأرض على تحريمه، فهل كانت هذه نظرة الإسلام لهذا النوع من الحرب؟

إنَّ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"لا تحدث العرب أنَّ محمدًا يقتل أصحابه" [البخاري] لا يعني تنازله عن المواقف وهو المؤيد - صلى الله عليه وسلم - بالوحي الإلهي، فلو كان في فعله ما ينتقص من الإسلام لما أقره الله - جل جلاله - على قوله، وهاك الأدلة على التوجيه الرباني لنبيه المعصوم بما يُخالف ما اجتهد به - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ التقديم لما قدمه الله - سبحانه وتعالى -، بغض النظر عن المصلحة التي تظهر مِنْ أثر الفعل، فالله - عز وجل - يعلم الغايات والمقاصد وإنْ غابت عن البشر.

-القتال في الأشهر الحُرم:

القتال في الأشهر الحرم معيب عند العرب، فهو مما اتفقوا عليه وكانوا يعظمونه ويجلونه، على الرغم من بعض الخروقات له، ولكن المقصود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مُقرًا لهذا الموقف وهو وقف القتال في تلك الأشهر، أو على الأقل لم يتناوله بالحِل أو الحُرمة لحين وقوع الأمر، وقد ظهر موقف عصيب، هو ما ذكره ابن هشام في سرية عبد الله بن جحش - رضي الله عنه - التي قاتلت في الشهر الحرام، قال ابن هشام:"... وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم ابن كيسان وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة".

قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، قال:"ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا"فلما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان ...

فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ" [البقرة217] ، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم"وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ" [البقرة217] ، أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" [البقرة217] ، أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير والأسيرين.

-النساء وعدم ردهن بعد الحديبية:

جاء في صلح الحديبية أنَّ من يأتي محمدا ً - صلى الله عليه وسلم - من المشركين رده والحديث عام فيدخل فيه الرجال والنساء على السواء، فلما هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط خرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلماه فيها أن يردها إليهما، فأبطل الله عهد رد النساء خاصة، ومنع المسلمين أنْ يردوهنَّ إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان، كما قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" [الممتحنة 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت