قال عن الزهري: أُنزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بأسفل الحديبية حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاءه النساء نزلت هذه الآية وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهنِّ، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أنْ يردوا الصداق إلى أزواجهنِّ، وقال تعالى:"وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ" [الممتحنة 10] .
وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وإنما حكمَّ الله بينهم بذلك لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد.
وقال ابن إسحاق كما ذكره ابن هشام عن عروة بن الزبير: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ صَالَحَ قريشًا يوم الحديبية على أنْ يردَّ عليهم مَنْ جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى الإسلام، أَبَى اللهُ أنْ يردهنَّ إلى المشركين إذا هن امْتُحِنَّ بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهنَّ إنما جئنَ رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إنْ هم ردوا على المسلمين صداق مَنْ حبسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم.
ولولا الذي حكم الله به لرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يرد لهن صداقًا، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.
-"الحرب الإعلامية"عند قريش:
جاء في الزاد: وخَفَضَ أبو سفيان فَلَحِقَ بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا، وأحرز العير، كتب إلى قريش: أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتُم لِتُحْرِزُوا عيركم، فأتاهم الخبرُ، وهم بالجُحْفَةِ، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نَقْدَمَ بدرًا، فنقيمَ بها، ونُطعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِن العرب، وتخافُنَا العربُ بعد ذلك.
وعند أحمد في المسند عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة: أنَّ قريشًا بعثوا سهيلًا بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: ائت محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أنْ يرجع عنا عَامَهُ هذا فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا.
ولفظ البخاري: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به"، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل"."
-"الحرب الإعلامية"على الطريقة النبوية:
في الزاد: قال العباسُ: يا رسولَ اللهِ، إن أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الفخر، فاجعل له شيئًا، قال:"نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أبى سُفيان، فهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَه، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، فَهُوَ آمن"، وأمر العباسَ أن يَحبِسَ أبا سفيان بمضيقِ الوادي عند خَطْمِ الجبلِ حتى تَمُرَّ به جنودُ الله، فيراها، ففعل، فمرَّتِ القبائلُ على راياتها، كلما مرَّتْ به قبيلةٌ قال: يا عباسُ؛ مَنْ هذه؟ فأقول: سُليم، قال: فيقول: مالي ولِسُليم، ثم تمرُّ به القبيلة، فيقول: يا عباسُ؛ مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالى ولمُزَيْنَة، حتى نَفَدَتِ القبائلُ، ما تَمُرُّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرتُه بهم قال: مالي ولبنى فلان، حتى مرَّ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبتِه الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق مِن الحديد، قال: سبحان اللهِ يا عباس، مَنْ هؤلاء؟ قال: قلتُ: هذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: واللهِ يا أبا الفضل؛ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابن أخيك الْيَوْمَ عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان؛ إنها النُّبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلتُ: النَّجاء إلى قومك.
وكانت رايةُ الأنصار مع سعد بن عُبادة - رضي الله عنه -، فلما مرَّ بأبي سفيان - رضي الله عنه -، قال له: اليوم يوم الملحمة، اليومَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمةُ، اليَوْمَ أذَلَّ اللهُ قُرَيْشًَا.
فلما حاذى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان، قال: يا رسول الله، ألم تسمعْ ما قال سعد؟ قال:"وما قال؟"، فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عَوْف: يا رسولَ الله؛ ما نأمنُ أنْ يكون له في قُريش صَوْلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بَلِ اليَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فيهِ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللهُ فيه قُرَيْشًا".
ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قُريشًا، صرخ بأعلى صوته: يا معشرَ قُريش؛ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمَنْ دخل دارَ أبى سفيان، فهو آمن، فقامت إليه هندُ بنتُ عتبة، فأخذت بشَاربه، فقالت: اقتلُوا الحَميت الدسم، الأحْمَشَ السَّاقين، قُبِّح مِن طَلِيعَةِ قوم،