الصفحة 9 من 216

قال: ويلكم، لا تغرَّنَّكُم هذه مِن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قِبَلَ لكم به، مَن دخل دار أبى سفيان، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، قالوا: قاتلكَ اللهُ، وما تُغنى عنا دارُك؟ قال: ومَن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومَنْ دخل المسجد، فهو آمن، فتفرَّق الناسُ إلى دورهم وإلى المسجد.

-وهنا مواقف:

الأول: قولُ العباسِ - رضي الله عنه: يا رسولَ اللهِ؛ إنَّ أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الفخر، فاجعل له شيئًا، قال:"نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أبى سُفيان، فهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَه، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، فَهُوَ آمن".

فإعلاميًا عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعباس دور الإعلام في نفس أبي سفيان - رضي الله عنه -، وحرصه على الفخر، فكان مما أعطاه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وفي الحقيقة لا فائدة من هذا القول مع الأمن لكل مَنْ يدخل المسجد الحرام أو يُغلق عليه بابه، وهل يسع بيت أبي سفيان أهل قريش؟"

ولكن هذا القول من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي سفيان دعاه لأن يكون لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي انطلق يُروع قومه ويُرهبهم من مغبة حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضي الله عنهم -.

الثاني: عرض الجيوش أمام أبو سفيان - رضي الله عنه - أوقع في نفسه الأثر الكبير، بحيث عجز عن إخفاء الرهبة التي تملكت قلبه والرعب الذي أسر لبه، فما استطاع كتم: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، وهذا باب بديع من الحرب الإعلامية: استعراض الجيوش أمام الخصم، وهو ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباسَ أن يَحبِسَ أبا سفيان بمضيقِ الوادي عند خَطْمِ الجبلِ حتى تَمُرَّ به جنودُ الله، فيراها.

الثالث: قول سعد - رضي الله عنه: اليَوْمَ أذَلَّ اللهُ قُرَيْشًَا، وسماع أبي سفيان لها، ثم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: بَلِ اليَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فيهِ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللهُ فيه قُرَيْشًا"."

دليل على حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنَّ عز الإسلام مِنْ عزِّ العرب، وكل انتقاص مِنْ قدر العرب هو انتقاص مِنْ قدر الإسلام، وأخص العرب قريشًا فأي انتقاص لقريش هو انتقاص للإسلام.

-الشعر كنوع من الحرب الإعلامية:

في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كان ينصب المنبر لحسان ويقول:"اهجهم أو هاجهم وروح القدس معك".

والشعر والخطابة كانا المنبر الإعلامي في ذلك الوقت، وكان أشد الناس مفخرة الشعراء والخطباء، وكان الشاعر في القبيلة لسان حالها ومقالها، وهو المُقدم في القول والرد، إذا جاءت الوفود كان الاثنان في استقبالهم، وإذا قامت الحرب كان الاثنان في المقدمة.

قولهم يسبق، ومقالهم يُقدم ... يجمعونهم ليذبوا عنهم، ويعطونهم الأعطيات ليهجوا خصومهم، والأمر أغنى من أن يُدلل عليه فهو من الشهرة بمكان، وحسبك ما قيل في كل الغزوات والوقعات وأيام العرب وهو مبثوث في كتب السيرة والتاريخ، وهاك انموذج حرب إعلامية فى"أحد"ذكره ابن هشام في قول ابن الزبعري متفاخرًا:

أبلغن حسَّان عني آية ... * فقريض الشعر يشفي ذا الغلل

كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أُتِرَّت ورجل

وسرابيلَ حسَّانَ سُرِيَتْ ... * عن كُماة أهلكوا في المنتزل

كم قتلنا من كريم سيد ... * ماجد الجدين مقدام بطل

صادق النجدة قرم بارع ... * غير ملتاث لدى وقع الأسل

فسل المهراس من ساكنه؟ ... * بين أقحاف وهام كالحجل

ليت أشياخي ببدر شهدوا ... * جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حكَّت بقباءٍ بركها ... * واستحرَّ القتل في عبد الأشل

ثم خَفوُّا عند ذاكم رُقَّصًا ... * رقص الحفَّان يعلو في الجبل

فقتلنا الضعف من أشرافهم ... * وعدلنا ميل بدر فاعتدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت