"القوم فيما بين التسع مئة والألف"، ثم قال لهما:"فمن فيهم من أشراف قريش؟"، قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتَرىّ بن هشام، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف في رجال سمياهم.
فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس فقال:"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها".
وفيها فوائد عظام:
-لا تعارض بين حالة الإكراه التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها في هذا الموقف وبين حالة الإكراه التي فرضها"عليّ"في قوله:"لتخرجن الكتاب أو لنجردن الثياب"، فهنا المسألة ظنية تحتمل صدق الرجلين وكذبهما فلا يجوز إكراههما، أما هناك فالمسألة يقينية فما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كُذب.
-القرينة مهمة في القياس، فذبح بين التسعة والعشرة يدل على عدد الجيش، والأسماء التي ذُكرت تدل على أفلاذ كبد مكة، ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليهود خيبر:"المال كثير والعهد قريب"فكان قرينة كذبهم قرب العهد وقلة الحروب، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أخرجوه وقد كان مدفونًا.
وفي جواز المس بعذاب في سبيل الحصول على المعلومات، أو ما يُسمى بالاستنطاق بالقوة، ما ذكره ابن القيم في الزاد: عن ابن عمر: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلبَ على الزرعِ والنخل والأرض، فصالحُوه على أن يُجلوا منها، ولهم ما حملت ركابُهم ولِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراءُ والبيضاءُ، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يُغَيِّبُوا شيئًا، فإن فعلُوا فلا ذِمَّةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحُلى لحُيَيّ بن أَخْطَب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجليت النضيرُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِعم حُيَيّ ابن أخطب:"ما فَعَلَ مَسْكُ حُيَيّ الذي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِير؟". قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال:"العَهْدُ قَريبٌ، والمَالُ أكْثَرُ مِنْ ذلِكَ"، فدفعه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الزُّبير، فمسَّه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال:"قَدْ رأيْتُ حُيَيًّا، يَطُوفُ في خربة هاهنا"، فذهبوا، فطافوا، فوجدوا المَسْكَ في الخربة، فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنى أبي الحُقيق، وأحدُهما زوج صفية بنت حُيَىّ بن أخطب، وسبى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نساءهم وذراريهم، وقسم أموالَهم بالنَّكْثِ الذي نَكَثُوا، وأراد أن يُجليهم منها،
ومما يدور في الفلك باستحباب معرفة المعلومات والبذل والتضحية في سبيل الحصول عليها، ممن وُثق بصدقه وأمانته في نقل الأخبار وقدرته العقلية والبدنية على تحمل الأمر، ما جاء عند ابن هشام: عندما دارت الحرب بين النجاشي وخصومه قال ابن إسحاق قالت أم سلمة رضي الله عنها: فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالوا: فأنت، وكان من أحدث القوم سنًا، قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم"."
-موقف مضاد:
في الرحيق المختوم أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر: أن محمدًا قصد قصدكم وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل لا سلاح لهم إلا قليل.
-ما حكم الجاسوس؟
قال النووي في شرح مسلم: وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين.
وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، قال أصحابنا: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما ولا يجوز قتله، وقال مالك رحمه الله تعالى: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد، وقال القاضي عياض رحمه الله: قال كبار أصحابه: يُقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، قال الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا عزر.