الصفحة 36 من 216

-تأمين المدينة بالحلف مع اليهود ومع من يسكن المدينة:

في الرحيق: بعد أن أرسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قواعد مجتمع جديد وأمة إسلامية جديدة، بإقامة الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأ بتنظيم علاقاته بغير المسلمين، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلام والسعادة والخير للبشرية جمعاء، مع تنظيم المنطقة في وفاق واحد، فسن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في ذلك العالم الملئ بالتعصب والأغراض الفردية والعرقية.

وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود، وهم وإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام.

وفيما يلي أهم بنود هذه المعاهدة:

-إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بني عوف من اليهود.

-وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.

-وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.

-وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.

-وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه.

-وإن النصر للمظلوم.

-وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

-وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.

-وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله - عز وجل -، وإلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

-وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.

-وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب ... على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

-وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.

وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة، ورئيسها - إن صح هذا التعبير - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين.

ولتوسيع منطقة الأمن والسلام عاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قبائل أخرى في المستقبل بمثل هذه المعاهدة، حسب ما اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر شيء عنها.

-تأمين الأخوة بين المهاجرين والأنصار:

في الرحيق: ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بجانب قيامه ببناء المسجد: مركز التجمع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يؤثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، قال ابن القيم: ثم آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله - عز وجل:"وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ" [الأنفال: 75] رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة.

وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية. . . والثبت الأول، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف المهاجرين مع الأنصار.

ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام.

وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال.

أخرج البخاري: أنهم لما قدموا المدينة آخي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولى امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت