الصفحة 23 من 216

المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى:"يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ" [البقرة: 217] .

وفي زاد المعاد وابن هشام: فلما كان في رمضانَ مِن هذه السنة، بلغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خبرُ العِير المقبلة من الشام لقريش صُحبةَ أبى سفيان، وهى العِير التي خرجوا في طلبها لما خرجت مِن مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموالٌ عظيمة لٍقريش، فندب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ للخروج إليها، وأمر مَن كان ظهرُه حاضرًا بالنهوض، ولم يحْتَفِلْ لها احتفالًا بليغًا، لأنه خرج مُسْرِعًا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرسٌ للمِقداد بن الأسود الكِندى، وكان معهم سبعون بعيرًا يَعْتَقِبُ الرجلان والثلاثةُ على البعير الواحد.

قال ابن القيم قال ابن إسحاق: خرج أبو العاص بن الربيع تاجرًا إلى الشام، وكان رجلًا مأمونًا، وكانت معه بضائعُ لقريش، فأقبل قافلًا فلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاستاقُوا عِيره، وأُفلِت، وقَدِمُوا على رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بما أصابُوا، فَقَسَمه بينهم، وأتى أبو العاص المدينةَ، فدخلَ على زينبَ بنت رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستجار بها، وسألها أن تطلُبَ له مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ردَّ ماله عليه، وما كان معهُ مِنْ أموال الناس، فدعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - السَّرِيَّة، فقال:"إنَّ هذا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُم، وَقَدْ أَصَبْتُم لَهُ مَالًا وَلِغَيْرِهِ، وهُوَ فيء اللهِ الذي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَإنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ، فَافْعَلُوا، وَإنْ كَرِهْتُم، فَأَنْتُمْ وَحَقُّكُم"، فقالُوا: بل نردُّه عليه يا رسولَ الله.

وهذا القولُ من الواقدى وابن إسحاق يدل على أن قصة أبي العاص كانت قبل الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرَّض سرايا رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة، أن قصة أبي العاص كانت بعد الهُدنة، وأن الذى أخذ الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنهم كانوا مُنحازين بِسِيفِ البحر، وكانت لا تمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها، هذا قولُ الزهري.

قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير: ولم يزل أبو جندل، وأبو بَصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك، حتَّى مرَّ بهم أبو العاص بن الربيع، وكانت تحتَه زينبُ بنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قريش، فأخذوهم وما معهم، وأسرُوهم، ولم يقتلُوا منهم أحدًا لِصهر رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من أبى العاص، وأبو العاص يومئذ مشركٌ.

وخَلَّوْا سبيله، فَقَدِمَ المدينةَ على امرأته زينب، فكلمها في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير، وما أخذوا لهم، فكلَّمت زينبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فزعموا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام، فخطب الناسَ، فقال:"إنَّا صَاهَرْنَا أُنَاسًا، وَصَاهَرْنَا أبا العَاصِ، فَنِعْمَ الصِّهْرُ وَجَدْناهُ، وإنَّهُ أَقَبَلَ مِن الشَّامِ في أَصْحابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ، وأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًَا، وإنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سألتني أَنْ أُجيِرَهُم، فَهَلْ أَنْتُم مُجِيرُونَ أبَا العَاصِ وَأَصْحَابَه؟"فقال الناسُ: نعم، فلما بلغَ أبا جندل وأصحابَه قَوْلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أبي العاص وأصحابِه الذين كانوا عنده مِن الأسرى، ردَّ إليهم كُلَّ شئ أخذ منهم، حتى العقالَ، وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي جندل وأبي بصير، يأمرهم أن يَقْدَمُوا عليه، ويأمُرُ مَن معهما مِن المسلمين أن يَرْجِعُوا إلى بلادهم وأهليهم، وألا يتعرَّضُوا لأحد مِن قريش وعِيرها، فَقَدِمَ كتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بصير، وهو في الموت، فمات وهو على صدره، ودفنه أبو جندل مكانَه، وأقبل أبو جندل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأَمِنَتْ عِيرُ قريش.

وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمنَ الهُدنة، وقُريش إنما انبسطت عِيرُها إلى الشام زَمَنَ الهُدنة، وسياقُ الزهري للقصة بيِّنٌ ظاهر أنها كانت في زمن الهُدنة.

وفي المنتظم قال ابن سعد: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكبًا، يتعرض لها فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة، وكانت لصفوان بن أمية وأسروا ناسًا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع وقدم بهم إلى المدينة، فاستجار أبو العاص بن الربيع بزينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر: إني أجرت أبا العاص فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وما علمت بشيء من هذا وقد أجرنا من أجرت"ورد عليه ما أخذ منه.

وعند أبي داود والبيهقي أن الذي أسر العاص هو أبو بصير ومن معه ممن التحق بسيف البحر وكان يغير علي عير قريش، وهو ما أيده وأكده ابن القيم وصوب من اتجه إلى هذا السياق من السيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت