فانطلق عيينة بن حصن حتى لقي أبا سفيان بن حرب فأخبره، فقال أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكرا، فأرسل إلى بني قريظة: أنكم قد أمرتمونا أن نثبت، وطلبتم رجالًا منا يقاتلوا معكم، وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم، فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها قد دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئا، فقال أبو سفيان: إنما أنتم في مكر من بني قريظة، وإنهم لأهل غدر: فارتحلوا.
والقصة بتفصيلها وإبطال القصة المشهورة في"حرب التخذيل".
-جواز الخداع في عمليات الاغتيال:
والحديث - أي الحرب خدعة- يشمل قطع الدابر ومنع الصائل وما يصون المسلمين من جمع العدو لجيش أو تأليب القبائل على الحرب، فإذا استطاع المسلم عن طريق الخدعة منع الكفار أو الفساق من حرب الإسلام وأهله، كان العمل بالحديث واجبًا، فقد جاء في حديث قتل كعب بن الأشرف جواز الكذب، للنيل من العدو والذي كان جرمه أذية الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتشبب بنساء المسلمين وتحريض العرب على حرب المدينة، جاء في الزاد والحديث في الصحيحين في قتل كعب بن الأشرف وكان رجلًا مِن اليهود، وأُمُّه مِن بنى النضير، وكان شديدَ الأذى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يُشَبِّبُ في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعةُ بدر، ذهب إلى مكة، وجعل يُؤَلِّبُ على رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فإنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ ورَسُولَهُ"، فانتدب له محمدُ بنُ مَسْلَمَة، وعَبَّادُ بْنُ بِشْر، وأبو نَائِلة واسمه سِلْكَانُ بْن سلامة، وهو أخو كعبٍ من الرضاع، والحارث بن أوس، وأَبُو عَبْسِ بنُ جَبر، وأذن لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا ما شاؤوا مِنْ كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مُقْمِرَةٍ، وشيَّعهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بَقيع الغَرْقَدِ، فلما انْتَهوا إليه، قدَّموا سِلْكَانَ بْنَ سَلاَمة إليه، فأظهر له موافقته على الانحرافِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وشَكا إليه ضِيقَ حاله، فكلَّمَهُ في أن يَبيعه وأصحابَه طعامًا، ويَرْهَنُونَه سِلاحَهم، فأجابَهم إلى ذلك، وَرَجَع سِلْكَان إلى أصحابه، فأخبرهم، فأتوْه، فخرج إليه مِن حِصنه، فَتَماشَوْا، فوضَعُوا عليه سُيُوفَهم، ووضع محمدُّ بن مَسْلَمَة مِغْولًا كان معه في ثُنَّتِهٍ، فقتله.
وقد تكرر هذا الفعل مع فيروز الديلمي حين قتل الأسود العنسي، وكما قتل عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلى، وكما في سرية عبد الله بن رواحة لقتل اليسير بن رزام - أو رازم- والروايات مبسوطة في"حرب الاغتيالات".
-جواز الخداع للوصول إلي الحق:
في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة"تعميم دون الحصر في التقاء الصفوف وتقابل الزحوف، بل يتعداه لما يصل فيه المسلم إلى حقه الشرعي، منه ما ذكره ابن القيم في الزاد وعبد الرزاق وعنه أحمد بسند صحيح: قال موسى بن عقبة وغيره: وكان بينَ قريش حين سمعوا بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبرَ تَرَاهُنٌ عظيم، وتبايع، فمنهم مَن يقول: يظهر محمدٌ وأصحابُه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهودُ خيبر، وكان الحجَّاج بن عِلاط السُّلمى قد أسلم وشَهِدَ فتح خيبر، وكانت تحتَهُ أُمُّ شيبة أختُ بنى عبد الدار بن قُصَىّ، وكان الحجاجُ مُكثِرًَا مِن المال، كانت له معادِن بأرضِ بنى سُليم، فلما ظهر النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - على خيبر، قال الحجاج بن عِلاط: إن لى ذهبًا عِند امرأتى، وإن تعلم هي وأهلُها بإسلامى، فلا مال لى، فَاذَنْ لى، فلأسرع السَّيرَ وأسْبقِ الخبر، ولأخبِرَنَّ أخبارًا إذا قدمت أدرأُ بها عن مالى ونفسى، فأَذِنَ له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَلما قَدِمَ مكة، قال لامرأته: أخفى عليّ واجمعى ما كان لى عندكِ مِن مال، فإنى أريد أن أشترىَ مِن غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استُبيحُوا، وأُصيبت أموالُهم، وإن محمدًَا قد أُسِرَ، وتفرَّق عنه أصحابُه، وإن اليهودَ قد أقسموا: لَتَبْعَثَنَّ به إلى مكة ثم لتقتُلَنَّه بقتلاهم بالمدينة، وفشا ذلك بمكة، واشتد على المسلمين، وبلغ منهم، وأظهر المشركون الفرحَ والسرورَ، فبلغ العباسَ عمَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زَجَلَةُ النَّاس وجَلَبَتُهم، وإظهارُهم السُّرور، فأراد أن يقوم ويخرج، فانخزل ظهرُه، فلم يقدر على القيام ... وحشر إلى باب داره رجالٌ كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المظهِرُ للفرح والسرور، ومنهم الشامِتُ المغرى، ومنهم مَنْ به مثلُ الموت من الحُزْن والبلاء، فلما سمع المسلمون رجزَ العباس وتجلُّدَه، طابت نفوسُهم، وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم، ثم أرسلَ العباسُ غلامًا له إلى الحجاج، وقال له: اخلُ به، وقل له: ويلَك ما جئتَ به، وما تقول، فالذى وعَد الله خيرٌ مما جئتَ به؟ فلما كلَّمه الغلامُ قال له: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فَلْيَخْلُ بي في بعض بيوته حتى آتيَه، فإن الخبرَ على ما يَسُرُّه، فلما بلغ العبدُ باب الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباسُ فرحًا كأنه لم يُصبه بلاءٌ قطُّ، حتى جاءه وقبَّل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج، فأعتقه، ثم قال: أخبرنى. قال: يقولُ لك الحجاج: اخْلُ بِهِ في بعض بيوتِك حتى يأتيكَ ظهرًا، فلما جاءه الحجاج، وخلا به، أخذ عليه لتكتمَنَّ خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئتُ وقد افتتح