الصفحة 71 من 216

وقد أراد اليهود المخادعة من أول الأمر فقد أجلسوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجانب الحائط وأظهروا أنهم ذاهبون ليأتوا بالمال، ثم اجتمعوا وقرروا قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه الطريقة الخداعية، والتي كانت وليدة اللحظة أو ما يمكن أن يسمى:"توظيف الحدث"، ولكن الله أعلم نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمكرهم وأنجاه منهم.

-التورية كنوع من المخادعة:

في الزاد وابن هشام: ثم خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بنى لِحْيَان بَعْدَ قُرَيْظَةَ بستة أشهرِ لِيغزوهم، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مائتي رجل، وأظهر أنه يُريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مكتومٍ، ثم أسرعَ السير حتى انتهى إلى بطن غُرَانَ، وادٍ من أودية بلادهم، وهُوَ بين أمَج وعُسفان حيث كان مُصابُ أصحابه، فترحَّم عليهم ودعا لهم، وسَمِعَتْ بنو لِحْيَان، فهربُوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر مِنهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يَقْدِرُوا عليهم، فسار إلى عُسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كُراع الغَمِيم لِتسمعَ به قُريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبتُه عنها أربعَ عشرة ليلة.

وفي الزاد والطبقات: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا، فيهم عبد الله بن أنيس إلى يسير بن رِزَام اليهودى، فإنه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يجمع غَطفان لِيغزوه بهم، فأتوه بخَيْبَر فقالوا: أرسلنا إليك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ليستعملك على خَيْبَر، فلم يزالوا حتى تَبِعَهم في ثلاثين رجلًا مع كُلِّ رجل منهم رديفٌ من المسلمين، فلما بلغوا قَرقرة نِيار وهى من خَيْبَر على ستة أميال ندم يسير، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له عبد الله بن أنيس، فزجر بعيره، ثم اقتحم عن البعير يسوقُ القوم حتى إذا استمكن مِن يسير، ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفى يده مِخرشَ من شوحط، فضرب به وجه عبد الله فشجَّه مأمومَة، فانكفأ كُلُّ رجل من المسلمين على رديفه، فقتله غيرَ رجل مِن اليهود أعجزهم شدًا، ولم يُصَبْ مِن المسلمين أحدٌ، وقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبصق في شجَّة عبد الله بن أنيس، فلم تَقِحْ، ولم تُؤذه حتى مات.

-الخداع للتفريق بين الأعداء:

جاء عند ابن هشام وغيره ممن كتب في السيرة، أن نعيم بن مسعود - رضي الله عنه - حين أسلم في الأحزاب، قام بخداع اليهود والمشركين ليفرق بينهم في قصة مشهورة معروفة ملخصها أنه أتى بني قريظة، فخدعهم بقوله بضرورة أخذ رجال من سادة قريش حتى لا تتركهم قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رجعوا إلي ديارهم، ثم جاء قريش وأخبرهم أن يهود ندمت على حلفها مع قريش، واتفقت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسلمه رجال من كبار قريش ليقتلهم دليلًا على ندمهم وتكفيرًا على غدرهم، فلما أرسلت يهود لقريش تطلب رجالًا يبقون عندهم لحين انتهاء الحرب، قال المشركون: صدق"نعيم"ولم يسلموهم الرجال، وبذلك وقع التخوين بين الطرفين وزُرعت بذور الشك بينهما.

والحق أن القصة مع شهرتها مكذوبة لم تثبت بالأدلة الصحيحة، بل الصحيح أن"نعيم"نفسه وقع في شرك الخديعة الذي أوقعه فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان"نعيم"مخدوعًا، وقام بدافع حبه لنقل الكلام إلى بث الحديث الذي سمعه في نفوس المشركين وما كان أحدهم يُكذّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يقول، وقد كان مشهورًا بذلك عند الجميع، وأخذ المشركون بقوله نقلًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعندهم: محمد لا يكذب، والقصة بتلخيص واختصار كما في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح بذاته وبالمتابعات والشواهد:

كان نعيم بن مسعود مأمونًا عند قريش واليهود، فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني كنت عند عيينة بن حصن الفزاري وأبي سفيان بن حرب إذ جاءهم رسول بني قريظة أن اثبتوا، وابعثوا إلينا رجالًا حتى نقاتل محمدًا مما يلي المدينة، فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، وتقاتلونه أنتم مما يلي الخندق، فشق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحاطة الأعداء بالمدينة من الخارج ونقض اليهود للعهد وحربهم من الداخل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فلعلنا أمرناهم بذلك"، فظنها"نعيم"مكيدة من اليهود واتفاق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق من منطلق شهوته لإذاعة السر ونشر الحديث ليبلغ الكلمة إلى غطفان قومه، فقال عمر - رضي الله عنه: يا رسول الله، إن كان هذا الأمر من الله فأمضه، وإن كان رأيًا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بل هو رأي رأيته، إن الحرب خدعة"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"عليّ الرجل، ردوه"، فردوه فقال:"أرأيتك الذي سمعتني أذكره آنفا؟! أمسكتُ عنه، فلا تذكره لأحد"، وفي ذلك إغراء وترغيب بنقل الكلام، فانطلق نعيم حتى أتى عيينة، فقال: هل علمتم أن محمدًا قال شيئا قط إلا حقًا، قالوا: لا، قال: فإنه قد قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة:"فلعلنا نحن أمرناهم بذلك"، ثم نهاني أن أذكر لكم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت