وإنما تجوز المخادعة على ما فيها من تمويه وإظهار خلاف المبطن، للحاجة التي تضطر المسلم للوصول إلى هدفه وحفاظًا على جنده وجيشه، فالعدو يتربص الدوائر وهو حريص على تكبيد الجيش المسلم أعلى الخسائر، فضلًا عن حرصه على تحويل الانتصار لصالحه، لذلك جاءت الشريعة الغراء لتفتح بابًا أُغلق بين المسلمين، بل دعتنا إليه ورغبتنا فيه كما هو صريح الحديث وهو ما اتفق عليه العلماء كما نقله النووي.
قال ابن قدامة: تجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره, لقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة", ولما روي أنّ عليّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - لمّا بارز عمروًا بن عبد ودٍّ قال له علي: ما برزت لأقاتل اثنين, فالتفت عمرو, فوثب علي فضربه, فقال عمرو: خدعتني, فقال علي كرّم اللّه وجهه:"الحرب خدعة".
-صور من خداع الأعداء ليحذر المسلم من المكر:
وقد حرص الأعداء عليهم لعائن الله المتتالية إلى يوم القيامة على الخداع لتحقيق أهدافهم، وقد اعتمدوها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرتين وهما مما يدل على بشرية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله فاقتضت حكمة الله أن يحدث ما حدث:
ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد: قَدِمَ قَوْمٌ مِن عَضَلٍ والقَارةِ، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألُوهُ أن يَبْعثَ معهم مَن يُعَلِّمُهم الدِّينَ، ويُقرئهُمُ القُرآن، فبعث معهم سِتَّة نَفَرٍ في قول ابن إسحاق، وقال البخاري: كانُوا عشرة، وأَمَّر عليهم مَرْثَدَ بنَ أبى مَرْثَدٍ الغَنَوِى [كذا في سيرة ابن اسحاق وفي الصحيح عن أبي هريرة: وأمر عليهم عاصم بن ثابت وما في الصحيح أصح كما قال محقق الزاد] ، وفيهم خُبيب بنُ عدى، فذهبوا معَهم، فلما كانُوا بالرَّجِيع، وهو ماءٌ لهُذَيْلٍ بناحيةِ الحِجاز غدرُوا بهم، واستصرخُوا عليهم هُذيلًا، فجاؤوا حتَّى أحاطُوا بهم، فقتلُوا عامَّتَهُم، واستأسرُوا خُبَيْبَ بْنَ عدِىٍّ، وزَيْدَ ابن الدّثِنَةِ، فذهبُوا بهما، وباعُوهما بمكة، وكانا قَتلا مِن رؤوسهم يَوْمَ بدر، فأما خُبيب، فمكث عندهم مسجونًا، ثم أجمعُوا قتله، فخرجُوا به مِن الحَرَمِ إلى التنعيم، فلما أجمعُوا على صَلبه، قال: دَعُونى حَتَّى أَرْكَع رَكْعَتَيْنِ، فتركُوهُ فصلاهما، فلمَّا سَلَّمَ قال: واللهِ، لَوْلاَ أنْ تَقُولُوا إنَّ مَا بى جَزَعٌ، لَزِدْتُ، ثُمَّ قال:"اللَّهُمَّ أَحْصِهمْ عَدَدًا، واقْتُلْهُمْ بِدَدًَا، ولا تُبْقِ مِنْهُم أحدًا" [البخاري وأحمد] .
وفى هذا الشهر بعينه، وهو صفر من السنة الرابعة، كانت وقعة بِئر مَعُونة، وملخَّصُها أن أبا براء عامِرَ بنَ مالك المدعو ملاعبَ الأسِنَّة، قَدِم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ، فدعاه إلى الإسلام، فلم يُسلم، ولم يبعد، فقال: يا رسولَ اللهِ، لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نَجْدٍ يدعونهُم إلى دِينك، لرجوتُ أن يُجيبُوهم، فقال:"إني أخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْد"، فقال أبو براء: أنا جارٌ لهم، فبعث معه أربعينَ رجلًا في قول ابن إسحاق [وفى الصحيح: أنَّهم كانُوا سبعينَ، والذي في الصحيح: هو الصحيح] ، وأمر عليهم المنذر بن عمرو ... وكانوا من خِيار المسلمينَ وفُضلائهم، وساداتِهم، وقرائِهم، فسارُوا حتى نزلوا بئر مَعُونة، وهى بين أرض بني عامر، وحرَّة بني سُليم، فنزلوا هناك، ثم بعثوا حَرامَ بنَ ملحان بكتابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عدوِّ الله عامِر بن الطفيل، فلم ينظُرْ فيه، وأمرَ رجلًا، فطعنه بالحربةِ من خلفه، فلما أنفذها فيه، ورأى الدَّمَ، قال: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، ثم استَنفَرَ عدوُّ اللهِ لِفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يُجيبُوهُ لأجل جِوار أبى بَراء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عُصَيَّةُ وَرِعْلٌ وذَكْوَانُ، فجاؤوا حتى أحاطُوا بأصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقاتلُوا حتى قُتِلُوا عن آخرهم إلا كعبََ بنَ زيدِ بن النجار، فإنه ارتُثَّ بين القتلى، فعاش حتَّى قُتِل يومَ الخندق، وكان عمرو بن أُمية الضمرى، والمنذرُ بن عقبة بن عامر في سَرْح المسلمينَ، فرأيا الطيرَ تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد، فقاتلَ المشركين حتى قُتِلَ مع أصحابه، وأُسِرَ عَمرُو بن أُمية الضَّمْرِى، فلما أخبر أنه من مُضَر، جَزَّ عامِر ناصيتَه، وأعتقه عن رقبة كانت على أُمِّه، ورجع عمرُو بن أمية، فلما كان بالقَرْقَرَةِ مِن صدرِ قناة نزل في ظِلِّ شجرة، وجاء رجلان من بني كِلاب، فنزلا معه، فلما ناما، فتكَ بهما عمرُو، وهُو يرى أنه قد أصاب ثأرًا من أصحابه، وإذا معهما عهدٌ مِنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يشعُرْ به، فلما قَدِمَ، أخبر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بما فعلَ، فقال:"لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلينِ لأَدِيَنَّهُمَا".
فكان هذا سببَ غزوة بني النضير، فإنه خرج إليهم لِيعينوه في ديتهما لما بينه وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم، وجلَس هو وأبو بكر وعمر وعلى، وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا، وقالوا: مَن رجلٌ يُلقِى على محمَّدٍ هذه الرَّحى فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جِحاش لعنه الله، ونزل جبريلُ مِن عند رب العالمين على رسولِهِ يُعلمه بما همُّوا به، فنهض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن وقته راجعًا إلى المدينة، ثم تجهَّز، وخرج بنفسه لِحربهم.