ولكن التكتيك اقتضى مبادلة الروم إعلان حربهم، فكانت أول غزوة قصدت الروم غزوة مؤتة بقيادة زيد بن حارثة - رضي الله عنه -، والتي كان سببها كما قال ابن القيم: سببُها أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عميرٍ الأَزْدِى أحَد بنى لِهْب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بُصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه رِباطًا، ثم قدَّمه فضرب عنقه، ولم يُقْتَل لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولٌ غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوثَ ... فتجهَّز الناس وهُم ثلاثةُ آلاف.
ومع أن الغزوة لم تقطف المؤمل منها، وهو قتل شرحبيل بن عمرو، ولكنها ألقت الروم في ذهول من الأمر، هؤلاء الأعراب يُقاتلوا أعظم قوة أرضية؟ كيف جرؤ العرب على مجرد التفكير في محاربة الروم؟ ثلاثة آلاف يواجهوا مئة ألف وينسحبوا بلا إبادة؟!
وهذا ما دعا الروم ألا تنام عن أثر المعركة، قال صاحب الرحيق:"وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل بعد - مقتل رسوله - سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطدامًا عنيفًا في مؤتة، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب، قريبهم وبعيدهم."
ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر، ومواطأتهم للمسلمين، إن هذا كان خطرًا يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب، فكان يرى أن القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان.
ونظرًا إلى هذه المصالح، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة، حتى أخذ يهيئ الجيش من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة"."
وتهيأ جيش الكفر لحرب الإسلام وأهله، وأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموقف بخطورة العدد الرومي وأعوانه العرب، وما في المدينة من عُسرة وجدب وقحط وشدة حر وبعد مسير ووعرة طريق، رغم هذا وغيره قرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - القيام بما لا يجرؤ عليه إلا نبي أو قائد على أعلى قدرة فهم للواقع وخبرة إدارية وتكتيك عسكري، قال صاحب الرحيق:"كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى الظروف والتطورات بنظر أدق وأحكم من هذا كله، إنه كان يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان في هذه الظروف الحاسمة، وترك الرومان لتجوس خلال المناطق التي كانت تحت سيطرة الإسلام ونفوذه، وتزحف إلى المدينة كان له أسوأ أثر على الدعوة الإسلامية وعلى سمعة المسلمين العسكرية، فالجاهلية التي تلفظ نفسها الأخير بعد ما لقيت من الضربة القاصمة في"حنين"ستحيا مرة أخرى، والمنافقون الذين يتربصون الدوائر بالمسلمين، ويتصلون بملك الرومان بواسطة أبي عامر الفاسق سيبعجون بطون المسلمين بخناجرهم من الخلف، في حين تهجم الرومان بحملة ضارية ضد المسلمين من الأمام، وهكذا يخفق كثير من الجهود التي بذلها هو وأصحابه في نشر الإسلام، وتذهب المكاسب التي حصلوا عليها بعد حروب دامية ودوريات عسكرية متتابعة متواصلة، تذهب هذه المكاسب بغير جدوى."
كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعرف كل ذلك جيدًا، ولذلك قرر القيام ـ مع ما كان فيه من العسرة والشدة ـ بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام"."
وتجرأت الروم مرة أخرى على استفزاز المسلمين، فقتلت فروة بن عامر الجذامي والي معان في أرض الشام، فكان أن استنفر الموقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشًا كبيرًا بقيادة أسامة بن زيد -ابن قائد مؤتة- وأمره أن يُوطئ الخيل تُخُوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين.
وانتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلي الرفيق الأعلى وما زال الجيش لم يتحرك ليكمل المسيرة أبو بكر ومن بعده عمر - رضي الله عنهم -.
-مؤتة والتكتيك العسكري:
بعد مقتل القادة الثلاثة اصطلح المسلمون على خالد - رضي الله عنه - قائدًا، لأن خالدًا لا يُنسى موقفه يوم أحد، فهو الذي استطاع أن يلتف من خلف الجيش المسلم ليقلب الهزيمة إلى انتصار، فكأن تقدير الجيش صب في صالح خطة خالد في الانسحاب مع احتسابه ضمن الانتصارات، فإذا استطاع خالد في أحد الانسحاب، ثم الهجوم الخلفي المضاد فهو القادر في مؤتة أن يقلب المعيار ويحدد قدرة الجيش على المكوث ومقارعة السيوف أو الانسحاب للكر مرة أخرى، وقد وفق الله المسلمين في اختيارهم لخالد، الذي ما لبث أن حدد الخطة: