ومما جاء في تاريخ الطبري: أن خالدًا كتب إلى رؤساء الفرس الكتاب التالي: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك الفرس: أما بعد: فالحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ... فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب ... على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
وجاء في التاريخ أيضًا: أن خالدًا بن الوليد لما فرغ من حروب الردة أمره أبو بكر الصديق أن يسير إلى العراق، فلما قدم الحيرة خرج إليه زعماؤها يستقبلونه، ومنهم عبد المسيح بن عمرو وجاء بصدد لقاء خالد بعبد المسيح: قال خالد: أسلم أنت أم حرب؟ فقال عبد المسيح: بل سلم ... ثم قال لهم خالد: إني أدعوكم إلى الله وإلى عبادته وإلى الإسلام، فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر، فقالوا: لا حاجة لنا في حربك فصالحهم علي تسعين ومائة ألف درهم، فكانت أول جزية حُملت إلى المدينة من العراق ... وكتب خالد إلي هرمز صاحب ثغر الفرس: أما بعد فأسلم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ... قال: لما قدم كتاب خالد على هرمز ... جمع جموعه ... وكان من أسوأ أمراء ذلك الفرج جوارًا للعرب، فكل العرب عليه مغيظ وقد كانوا ضربوه مثلًا في الخبث حتى قالوا أخبث من هرمز، وأكفر من هرمز ... وانهزم أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين في شئ من فتوحهم لتقدم أبي بكر إليه فيهم، فأقام خالد بالثني يسبي عيلات المقاتلة وأقر الفلاحين، ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعدما دعوا فأجابوا وتراجعوا وصاروا ذمة وصارت أرضهم لهم.
-جبهة مصر:
جاء في النجوم الزاهرة: لما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الجابية قام إليه عمرو بن العاص رضي الله عنه فخلا به، وقال يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أسير إلى مصر وحرضه عليها، وقال إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونًا لهم وهي أكثر الأرض أموالًا وأعجزها عن القتال والحرب، فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكره ذلك فلم يزل عمرو يعظم أمرها عنده، ويخبر بحالها ويهون عليه فتحها حتى ركن إليه عمر وعقد على أربعة آلاف رجل كلهم من"عك"... ثم مضى عمرو نحو مصر وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو ميامين فلما بلغه قدوم عمرو إلى مصر كتب إلى قبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة وأن ملكهم قد انقطع ... وجاء وفد المقوقس يسمع من عمرو ما يريد: فقال لعمرو: إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدي ثلاث خصال.
وهي الثلاث التي لا تختلف باختلاف أهل الكتاب: إما إسلام وإما جزية عن يد وصغار وإما سيف يفصل الله به بين أوليائه وأعدائه، وقد تم الأمر وانتهى إلى قبول دفع الجزية والدخول تحت سلطان المسلمين.
-جبهة شمال افريقية:
وقد فتحت بفضل الله في خلافة عثمان - رضي الله عنه -.
-جبهة قبرص:
فتحها معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان - رضي الله عنه -.
وتوالت الفتوحات على كل الجبهات فكانت جبهة المغرب وشمال إفريقية ففُتحت بالكامل، ثم توالت الفتوح بركوب البحر ليفتحوا الأندلس وما تلاها، وكذلك جبهة الشرق إلى الصين وما فيها، وجبهة الشمال فارس والروم وأذربيجان وخراسان وغيرها، وقد فتحها الله على أيدي فرسان الليل ورهبان النهار والحمد لله رب العالمين.
قال ابن كثير في تفسير قول الله تعالي:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [النور55] ، قال: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا وحكمًا فيهم وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة: فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه، ثم لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلم شعث ما وهي بعد موته - صلى الله عليه وسلم - وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة - رضي الله عنه - ومن أتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص - رضي الله عنه -