الصفحة 56 من 216

وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيدًا لفتوح البلدان الرومانية، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية.

ولم يكن الرومان ليغفلوا عن الأثر الذي أحدثه انتصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في مؤتة بما يعني اهتزاز صورة الرومان وإضعاف موقفهم مما يعني انسلاخ القبائل العربية عن جسم الإمبراطورية الرومانية والتحيز للإمارة الإسلامية الفتية، فهيأ الروم جيشهم، وترامت الأخبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجمع وقام المنافقون بدورهم الدعائي في إرهاب المسلمين، فما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن دقق الأمر وأحكم النظر فيه: إن تحرك الرومان في أرض العرب يعني انحسار الانتصار الذي أحرزه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة وحنين والطائف وخيبر وما بثه ذلك من رعب في قلوب العرب، وكذلك مؤتة وما تركته من انطباع حول قوة الإسلام ورجاله فكان لابد من التحرك قطعًا لشبه المبطلين من المنافقين وصونًا للصف المسلم من التمزق، ولأن الخير كل الخير في المواجهة بدل انتظار مقدم العدو إلي الديار، وبدأ الحشد النبوي فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقبائل التي أسلمت يحثها على الخروج، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قل أن غزا غزوة إلا ورى بغيرها غير تبوك لما فيها من جهد ومشاق، وحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحبه - رضي الله عنهم - على الانطلاق بقدر ما يستطيعون، على الرغم من ضيق الحال وشظف العيش في تلك الفترة، وانبرى الرجال بعدتهم وعتادهم وخرج جيش الإسلام يقدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل في تبوك وسيطر الرعب علي الرومان وحلفائهم من العرب من زحف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فلم يستطيعوا ملاقاةً لجيش الإيمان فتفرقوا وتشرذموا، فكان أعظم فتح على المسلمين للصيت الذي انتشر أن الروم تهابهم وأيقنت قبائل العرب أن لا فائدة من حلفاء الأمس فدخلوا في دين الله أفواجا، فكانت تبوك تعني نهاية التواجد الرومي على أرض العرب، وهو ما يعني توسع رقعة الدولة الإسلامية إلى حدود الرومان"."

وعليه فإن تبوك تعني نهاية حالة الحرب مع العرب وطهارة أرض العرب من حكم غير الإسلام، لتبدأ حالة أخرى من هذه الحرب على الجبهات الأخرى الخارجية.

أما بقايا اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب فلم تكد تنتهي حروب الردة ويتولى عمر الخلافة إلا وكان قد أجلي اليهود والنصارى من خيبر ونجران وغيرها من جزيرة العرب كما في الكامل وتاريخ الطبري.

-تطهير الأرض: [فارس والروم ومصر وما تلاها] :

-جبهة الروم:

ابتدأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه الشريفة، فأنفذ جيش أسامة لينطلق إلى البلقاء من أرض الشام ليغزو تلك الأراضي، ومات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يخرج الجيش بعد، وارتدت العرب أو بعضٌ منها، وأشاروا على أبي بكر أن يبقي الجيش في المدينة ولكن أبا بكر أصر على انفاذه، قال ابن كثير في البداية والنهاية: وكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم وقالوا: ما خرج هؤلاء إلا وبهم منعة شديدة"وقاتلوا ثم رجعوا سالمين غانمين."

وعند الطبري: عن محمد بن إسحاق قال لما قفل أبو بكر من الحج سنة اثنتي عشرة جهز الجيوش إلى الشام فبعث عمروًا بن العاص قبل فلسطين ... وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ... وبلغ ذلك الروم فكتبوا إلى هرقل وخرج هرقل حتى نزل بحمص فأعد لهم الجند ... ولما نزل المسلمون اليرموك واستمدوا أبا بكر، قال: خالد لها، فبعث إليه وهو بالعراق وعزم عليه واستحثه في السير فنفذ خالد لذلك فطلع عليهم خالد وطلع باهان على الروم وقد قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين يغرونهم ويحضونهم على القتال ووافق قدوم خالد قدوم باهان ... فولي خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم فهزم باهان ... وتتابع الروم على الهزيمة ... وفرح المسلمون بخالد ... وكان من آخر أمر هرقل بالشام: أن هرقل كان كلما حج بيت المقدس فخلف سورية وظعن في أرض الروم التفت فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع لم يقض منك وطره وهو عائد فلما توجه المسلمون نحو حمص عبر الماء ... حتى إذا فصل منها نحو الروم علا على شرف فالتفت ونظر إلي سورية وقال السلام عليك يا سورية سلامًا لا اجتماع بعده.

-جبهة فارس:

قال الطبري: قال عمر حين استجم جمع"بجيلة": أي الوجوه أحب إليكم؟ قالوا: الشام، فإن أسلافنا بها، فقال: بل العراق فإن الشام في كفاية فلم يزل بهم ويأبون عليه حتى عزم على ذلك وجعل لهم ربع خمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم في الفئ ... أول ما عمل به عمر أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر من الليلة التي مات فيها أبو بكر - رضي الله عنه - ثم أصبح فبايع الناس وعاد فندب الناس إلى فارس ... كل يوم يندبهم فلا ينتدب أحد إلى فارس وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم ... لشدة سلطانهم وشوكتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت