الصفحة 55 من 216

بعد خيبر تفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعراب وهم كانوا يشكلون شوكة في حلق المسلمين، لتفرقهم حول المدينة واستعدادهم للإغارة على المدينة بقصد السلب والنهب، فلا يأمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك المدينة خوفًا من قرصنتهم، فضلًا عن تفرقهم في الجزيرة بحيث يصعب غزوهم في مكان واحد وإنهاء أمرهم، وقد حدث في غزوات كثيرة هروبهم بمجرد سماعهم بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كغزوة الغابة إلى بني فزارة وسرية محمد بن مسلمة إلى بني فزارة، وسرية أبي عبيدة إلى بني ثعلبة في ذي القصة وقد أعجزوهم هربًا في الجبال.

-تطهير الجزيرة من قوة غطفان:

بانتهاء أمر خيبر تفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جناح الكفر الثالث والمتمثل في الأعراب وعلى رأسها غطفان فكانت غزوة ذات الرقاع، ومع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يلق كيدًا، ولكن كانت تكفي لتبث الرعب في قلب كل من يحاول التجمع لغزو المدينة، قال المباركفوري في الرحيق المختوم:"كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة، وإذا نظرنا إلى تفاصيل السرايا بعد هذه الغزوة نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجتراء أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة، بل استكانت شيئًا فشيئًا حتى استسلمت، بل وأسلمت، حتى نرى عدة قبائل من هذه الأعراب تقوم مع المسلمين في فتح مكة، وتغزو حنينًا وتأخذ من غنائمها، ويبعث إليها المصدقون فتعطى صدقاتها بعد الرجوع من غزوة الفتح، فإذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة في الأحزاب، وساد المنطقة الأمن والسلام. واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوا بسهولة كل خلل وثلمة حدثت في بعض المناطق من بعض القبائل، بل بعد هذه الغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة، لأن داخل البلاد كانت الظروف قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين".

ثم تبعتها سرايا وبعوث إلى الأعراب فكانوا يهربون من أمام جيش المسلمين كسرية عمر بن الخطاب إلى تربة، وسرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار وقد فروا من أمام جيش المسلمين أيضًا.

وأما ما كان من أمر جناح الكفر الثالث"هوازن وثقيف"فقد خرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة مباشرة، فكانت غزوة حنين التي هُزم المسلمون في أولها ثم كان الظفر والنصر لحزب الله، وقُتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين وانهزم العدو هزيمة منكرة وتفرقوا في البلاد، ولحقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفرسانه: طائفة طاردت الفلول الذين سلكوا نخلة، فأدركوا دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع، وطائفة لحقت بالطائف فلحقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فكانت غزوة الطائف، كامتداد لحنين ودام الحصار أربعين يومًا، كما عند مسلم عن أنس - رضي الله عنه - ولم يستطع المسلمون للحصن فتحًا، فقرر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الانسحاب وبقي في الجعرانة بضع عشرة ليلة لا يُقسِّم الغنائم ويتأنى بها، يبتغي قدوم هوازن تائبين فيرد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أُخذ منهم، ثم بعد قِسمة الغنائم أقبل وفد هوازن مسلمًا، وكان هذا المطاف نهاية الشوكة العربية بعد قريش وخيبر والحمد لله رب العالمين.

-تطهير المحيط من الولاية لغير الإسلام ودولته:

بدأ سلميًا بعد الحديبية بإرسال الرسل إلى ملوك الأرض، ومع أنه لم يصح من تلك الرسائل إلا رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل الروم كما جاءت عند البخاري، ولكن مجموع الرسائل المبثوث في كتب السيرة يوضح المنهج العام في دعوة ملوك الأرض إلى الدين الجديد والعرض مبدئيا:"أسلم تسلم".

وأما حربيًا فقد بدأ فعليًا بعد عمرة القضاء بغزوة مؤتة وهي أعظم معركة خاضها المسلمون كتمهيد لقتال النصارى، قال المباركفوري في سببها:"وسبب هذه المعركة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بُصْرَى، فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ـ وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر ـ فأوثقه رباطًا، ثم قدمه، فضرب عنقه."

وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نقلت إليه الأخبار، فجهز إليهم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.

وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، الذي عانوا مرارتها لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظِّلْف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير - ثلاثة آلاف مقاتل - مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير- مائتا ألف مقاتل - ثم الرجوع من الغزو عن غير أن تلحق به خسارة تذكر. كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقًا.، ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت