"وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" [التوبة 75 - 77] .
"الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة 80،79] .
"فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ * وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ" [التوبة 81 - 85] .
وهذه الحملة الطويلة الكاشفة تشي بما كان للمنافقين في هذه الفترة من محاولات كثيرة لإيذاء الصف المسلم وفتنته وشغله بشتى الفتن والدسائس والأكاذيب عن وجهته، كما أنها في الوقت ذاته تكشف عن حالة من الخلخلة وعدم التناسق في التكوين العضوي للمجتمع الإسلامي في هذه الفترة، يشير إليها قول الله سبحانه:"وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ" [التوبة 195] ، كما يشير إليها النهي المشدد عن الاستغفار للمنافقين أو الصلاة عليهم. هذه الحالة التي نشأت عن دخول جماعات كثيرة في الإسلام بعد الفتح لم يكن الإيمان قد استقر في قلوبهم.
-معالم النفاق في غزوة تبوك:
-التثبيط بالحجج الواهية:
لقد لعب المنافقون دور المخذلين المرجفين عبر تثبيط الهمم وتوهين العزائم، والالتفات للدنيا دون الآخرة، قال تعالى:"وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ" [التوبة:81] ، فجاء الرد الرباني يُبطل الحجة بنفس المنطق، فإن كان المانع من النفير هو نار الدنيا فنار جهنم أشد حرًا، والخيار: إما نار الدنيا وإما نار الآخرة.
-التثاقل عن الخروج:
قال تعالى:"وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ" [التوبة:46] ، فكانت النتيجة تخلف طائفة من المنافقين خلف ستار الحجج الواهية، وعبر المعاذير التافهة، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له العدة، قال تعالى:"وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ" [التوبة:49] .
وانطلقت طائفة من المنافقين في النفير، ما خرجت لله ولا نصرة لدين الله، ولكنه مسير في مخطط الإرجاف والتخذيل واقتناص الفرص للتثبيط والكيد.
-محاولة اغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى:"يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" [التوبة:74] .
وقد باءت محاولاتهم بالفشل لأن الناصر هو الله، فأطلع الله عالم الغيب والشهادة نبيه - صلى الله عليه وسلم - على كيدهم، ونجاه منهم وأبطل ما هموا به، ولم يلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كيدهم كيدًا، روى البيهقي في دلائل النبوة عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أقود به وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوق وعمار يقود به، حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، فأنبهت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله:"هل عرفتم القوم؟"قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال:"هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟، قلنا: لا، قال:"أرادوا أن يزحموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبة فيلقوه منها"، قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال:"لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل