وإنما كُرههم من الإقدام على مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ينبع من رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي جندل ثم أبي بصير، ففي ذلك إحراج للرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يقال: إن رسول الله يُسَلِّم المسلمين إلى الكفار، كالموقف الذي حدث مع ابن الخطاب عند مقدم أبي جندل لحظة الصلح.
ولكن أيلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُسلم من يأتيه لدولة الكفر؟
لو جاز من تسليم أبي بصير للذين أرسلتهما قريش، لكان الحكم الثابت هو المتأخر والمتأخر عدم رد أبي بصير في الثانية، وأقل ما يقال في المرة الثانية أنها ناسخة للأولى، ففي الأولى أن قريشًا أرسلت من يأتي به، فتسلمته من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأما حين قتل أبو بصير أحد الرسولين ولاحق الآخر حتى قدم المدينة، لم يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجوع إلى الكفار، ولم يأمره بالخروج من دولة المدينة، بل جعله في حِلٍ من الانتقال إلى حيث يشاء، لئلا يقع في حدود التبعية للدولة الإسلامية فيلزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينها رده، وأما رد أبي جندل فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقبض عليه أو يأسره ثم يسلمه للكفار، نقول هذا حتى لا تُتخذ هذه المواقف ذريعة لمن يخون الأمانة ويُسلم المجاهدين للكفار بحجة العهد والسلام، هذا على فرض الصحة فيمن كان يساكن الكفار في دارهم، أما من كان في ديار الإسلام فلا يجوز تسليمه مطلقًا.
قال ابن القيم في الزاد: إن ردَّ مَن جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول مَن خرج منهم مسلمًا إلى غيرِ بلدِ الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام، لا يجبُ عليه ردُّه بدون الطلب، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَرُدَّ أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاؤوا في طلبه، مكَّنهم من أخذه ولم يكرهْهُ على الرجوع.
-"حرب المستضعفين"وإعلان الحرب:
لم يرد في الروايات تلميحًا أو تصريحًا أن أبا بصير ومن معه أرسلوا رسولًا يعلن به القتال على الأعداء، ولم يرد في الروايات نبذ العهد الذي وقعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قريش، ولم يرد أن طلب الإذن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببدء القتال، لذلك قتل آسره واستلب سلاحه وطارد الآخر، وجمع الجموع بهدف محاربة قريش بما يستطيع، فغنم القوافل وأسر وقتل.
كل هذا لأن قريشًا هي من بدأ بإعلان الحرب فلا يلزمه إعلانها، فهم من المستضعفين في دار الكفر، والأذى عليهم واقع والحبس والقتل والتعذيب فيهم متحقق، فالكفار من بدأ بالاعتداء على المستضعفين يردونهم عن إسلامهم ويفتنونهم في دينهم، ويسلبونهم دورهم وأموالهم.
هذا هو مبدأ إعلان الحرب وقريش تُصرح به، فلا داعي للإعلان الشكلي للكلمة فالأفعال خير دليل على قصد قريش لحربهم، وهم في حالة ظلم، والظلم الذي يدفع ظلم مثله خير، والذي يدفع أكبر منه خير كله.
-"حرب المستضعفين": الفوائد:
-قال ابن حجر في الفتح: المقتول من المشركين كان رسولًا والرسل لا تقتل كما هو ثابت معلوم، ومع ذلك لم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بصير قتله ولا أمر فيه بقود ولا دية، وصدّق أبا بصير في قوله في الرواية الأخرى: يا رسول الله ليس بيني وبينهم عهد ولا عقد، فكان ذلك إقرارًا له منه على ما فعل، وأن له ذمة مستقلة عن ذمة المسلمين، وإذا أهدر دم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فغيره أولى.
-"حرب المستضعفين"تشمل كل مستضعف: وإنما يقال هذا حتى تبقى المسألة في العموم، فلا يُضيق على المرأة بعقد زواجها، ولا العبد برق العبودية، ولا تشمل من عليه دَين، أو عقد مع الكفار في حال الاستضعاف، بل يبقى العموم هو الأصل لحض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على اللحاق بأبي بصير بقوله:"ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد"، وفي الرواية الأخرى:"لو كان معه رجال".
-قال ابن القيم: إن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكَّنُوا منه فقتل أحدًا منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حُكمَ قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصيرٍ قتل أحد الرجلين المعاهَدَيْنِ بذى الحُلَيْفَةِ، وهى مِن حُكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه، وفُصِلَ عن يد الإمام وحكمه.
-قال ابن القيم: إن المعاهَدِينَ إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم، وغَنِمَتْ أموالهم، ولم يَتَحَيَّزُوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعُهم عنهم، ومنعُهم منهم، وسواءٌ أدخلوا في عَقدِ الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهدُ الذي كان بين النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين، لم يكن عهدًا بين أبى بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعضِ ملوكِ المسلمين وبعضِ أهل الذِّمةِ من النصارى