الصفحة 202 من 216

وعليه فإرادة الانفلات من قبضة العدو بالقوة، ثم قتل أحدهما ومطاردة الآخر بقصد القتل، واستلاب القتيل والانحياز للجبل وانحياز الفئات إليه، وتكوين جماعة مقاتلة تُغير على القوافل وتأسر التجار وتأخذ الأموال وترعب قريش، حتى اضطرت لقبول دخولهم في حلف محمد - صلى الله عليه وسلم -، كلها أفعال حربية أقره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعا غيره للحوق به بقوله - صلى الله عليه وسلم:"ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد"، أو:"ويل امه محش حرب لو كان معه رجال"، وقد أدرك المعنى المستضعفون في مكة، فما كان ينفلت منهم أحد إلا التحق بأبي بصير، فكانوا بين الستين والسبعين.

وعليه فحرب المستضعفين التي قادها أبو بصير كلها أفعال شرعية قام عليها دليل الإقرار من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبوله - صلى الله عليه وسلم - بالهدية يدل على جوازها شرعًا ولو حرمت لبين الحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعند ابن سعد في الطبقات في حديث إسلام المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - وذهابه مع رفاقه إلى المقوقس ثم رجوعهم بالهدايا من دونه ومكره بهم، قال: فأجمعت على قتلهم فلما كنا ببسا تمارضت وعصبت رأسي، فقالوا لي: ما لك؟ قلت: أصدع، فوضعوا شرابهم ودعوني فقلت: رأسي يصدع ولكني أجلس فأسقيكم فلم ينكروا شيئا، فجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب، فجعلت أصرف لهم وأنزع الكأس فيشربون ولا يدرون، فأهمدتهم الكأس حتى ناموا ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعًا وأخذت جميع ما كان معهم فقدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأجده جالسا في المسجد مع أصحابه، وعلىَّ ثياب سفري فسلمت بسلام الإسلام فنظر إلىَّ أبو بكر بن أبي قحافة وكان بي عارفًا، فقال: ابن أخي عروة، قال: قلت: نعم، جئت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي هداك للإسلام، فقال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم، قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب، ونحن على دين الشرك، فقتلتهم وأخذت أسلابهم وجئت بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخمسها أو يرى فيها رأيه، فإنما هي غنيمة من مشركين وأنا مسلم مصدق بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما إسلامك فقبلته، ولا آخذ من أموالهم شيئا، ولا أخمسه، لأن هذا غدر: والغدر لا خير فيه"، قال فأخذني ما قرب وما بعد وقلت: يا رسول الله إنما قتلتهم وأنا على دين قومي ثم أسلمت حيث دخلت عليك الساعة، قال:"فإن الإسلام يجب ما كان قبله".

والمقصود أن فعل أبي بصير من أسره للعاص وإهداءه للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فعل صحيح شرعًا لإقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو كان فيه أدنى شبهة حرمة لبينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث المغيرة بن شعبة، فقد علله بالغدر وامتنع عن قبول المال والهدايا، مع أن حال المغيرة حين قتلهم لا يعدو أن يكون إيمانًا صادقًا بالإسلام، أو حقدًا وضغينة على استفراد أصحابه بالهدايا، وأيًا كان الدافع فقد كان في حال الكفر، وقد صح من حديث نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن الإسلام يجب ما قبله [أحمد ورواية مسلم يهدم، كلاهما عن عمر بن العاص] ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الإسلام ولم يقبل الغدر، ولا سواء بين فعل أبي بصير وفعل المغيرة، والذي فرق بين الفعلين هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

-الجماعة والتحيز والقتال:

المستضعفون في مكة يحملون التبعية بالولاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينًا وانتماءً، ولكن التبعية الإلزامية للدولة الإسلامية لا تلزمهم، فهم خارجها بالعقد الموقع بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنيابة عن المسلمين وبين سهيل نيابة عن قريش.

وعليه فوجود المستضعفين تحت قبضة الكفار غصبًا كالأسر والعبودية، أو إرهابًا كالتخويف من القتل أو التعذيب، يُجوِز لهم الانحياز لفئة غير داخلة في حكم التبعية للخليفة، ومن ثَم يجوز لهم القيام بسائر أنواع الحروب، والتي تمكنهم من إيقاع الضرر بالعدو، ولا يُلزمهم الصلح بين من ينتمون له ولاءً بالدين وبين الأعداء، فهم في حِلٍ والدولة الإسلامية في حِلٍ أيضًا من أفعالهم ونتائجها.

وهذا الفهم يلزم لعدم الانتماء لدولة الكفر أصلًا، وذلك لعدم استحقاق الكفر بالولاية على المسلمين إلا جبرًا، أما الأصل فلا يصح للمسلم البقاء في تبعية الدولة الكافرة بل الواجب عليه الخروج والتبرؤ من هذه التبعية، حتى لا تشملهم آية المستضعفين وتوبيخ الملائكة، ولكن هل يلزمهم الانحياز للخليفة ودولة الإسلام؟

عند البيهقي في السنن الكبري: وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هدنة المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت