الصفحة 201 من 216

قال ابن قدامة في المغني: إذا عقد الهدنة مطلقا فجاءنا منهم إنسانا مسلما أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك سواءًا كان حرًا أو عبدًا أو رجلًا أو امرأة ولا يجب رد مهر المرأة وقال أصحاب الشافعي إن خرج العبد إلينا قبل إسلامه لم يرد إليهم فإن أسلم قبل خروجه ثم خرج إلينا لم يصر حرا لأنهم في أمان منا والهدنة تمنع من جواز القهر.

وقال الشافعي: لما قتل أبو بصير الرجل الذي جاء لرده لم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يضمنه ولما انفرد هو وأبو جندل وأصحابهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية فقطعوا الطريق عليهم وقتلوا من قتلوا منهم وأخذوا المال لم ينكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرهم برد ما أخذوه ولا غرامة ما أتلفوه، وهذا الذي أسلم كان في دارهم وقبضتهم وقهرهم على نفسه فصار حرا كما لو أسلم بعد خروجه ...

وقال ابن قدامة: والشروط في عقد الهدنة تنقسم إلى صحيح: مثل أن يشترط عليهم مالا أو معونة المسلمين ثم حاجتهم إليهم أو يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلما أو بأمان فهذا يصح، وقال أصحاب الشافعي: لا يصح شرط رد المسلم إلا أن يكون له عشيرة تحميه وتمنعه. ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم به فرد أبا جندل وأبا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة لأن ذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له لكن لا يجوز هذا الشرط إلا عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك لزم الوفاء به بمعنى أنهم إذا جاؤوا في طلبه لم يمنعهم أخذه ولا يجبر الإمام على المضي معهم وله أن يأمره سرًا بالهرب منهم ومقاتلتهم فإن أبا بصير لما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء الكفار في طلبه قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: إنا لا يصلح في ديننا الغدر وقد علمت ما عاهدناهم عليه ولعل الله أن يجعل لك فرجا ومخرجا فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه ثم رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فلم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يلمه بل قال:"ويل امه مسعر حرب لو كان معه رجال"فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل ومن معه من المستضعفين بمكة فجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحدًا جاءه ففعل.

فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار أن يتحيزوا ناحية ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار ويأخذوا أموالهم ولا يدخلوا في الصلح وإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتل الكفار وأموالهم.

-"حرب المستضعفين": المعالم:

-أبو بصير وممارسة أعمال الحرب:

-مقاتلة الرسولين الذين أُمرا أن يردوه إلى المشركين، فهو قتال دفاع عن النفس.

-الذان أُمرا برده هما رسولا قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولقد قتل أحدهما أبو بصير والرسل لا تُقتل، ولكن أبو بصير لم يكن ممن يجب عليه الانضباط تحت هذا القانون.

-الانحياز للجبال بالرجال والتهيؤ للقتال.

-الإغارة بالرجال على قوافل قريش وتجارها.

-القتل والأسر والاغتنام.

كلها مظاهر الحرب في ذلك الزمان وهو مبدوءة منفردة من أبي بصير - رضي الله عنه -، بإقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأما عدم التخميس فهو يتعارض مع العقد ولا يتعارض مع التشريع كأصل، بمعنى ليس فيه شبهة حُرمة ولو كان حرامًا لما جاز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - السكوت عن التبيان - كما هو مقرر عند علماء الأصول كقاعدة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة-، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علل المنع بالعقد، ومع أن إسناد هذا الجزء من الحديث مرسل، فعلى فرض صحته فانه يكون في أخذ الخمس إقرار من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بانضواء أبي بصير ومن معه تحت إمرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودولة الإسلام، وهذا مما يتعارض مع المنع من دخول المشركين في تبعية المدينة إلى عشر سنوات زمن الصلح.

وأما الهدية فهي لا تلزم تبعية للدولة لذلك قبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي بصير، وقد كانت - أي الهدية- زوج ابنته العاص بن الربيع، ولو قتله أبو بصير لما كان عليه من بأس، فالعاص كافر وأبو بصير في حِل من دمه أو التعاقد على منع الحرب، فهو غير داخل في الصلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت