الصفحة 146 من 216

قال المباركفوري:"إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شَدَهَ لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها نَصْرٌ وجُشَمٌ وسعد بن بكر وناس من بني هلال - وكلها من قيس عَيْلان - رأت هذه البطون من نفسها عِزًا وأنَفَةً، أن تُقابل هذا الانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك ابن عوف النَّصْري، وقررت المسير إلى حرب المسلمين".

وجاءت الأخبار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا التجمع العربي فسار إليهم بمن معه من المسلمين، وتلاقى الجيشان وحمي الوطيس ومالت كفة النصر لصالح أهل الوثن، وثبت أهل الحق في معركة لم تشهد العرب مثلها، ثم تكافأت الكفة لتعاود للمسلمين ما ألفوه من ثقة بربهم ووعده بنصر رسله والذين آمنوا، لتطيش كفة أهل الشرك والوثن وتعلو راية التوحيد، ويلوح فجر الانتصار بعد الاحتدام وتطاير الهام، وانهزم العدو وتفرق الجمع وفرت الطوائف كل لجحره، وتتابعت فرسان الإيمان تطارد فلول المنهزمين، تُلجئ الأفاعي لأوكارها وتُخرجها رغمًا عنها تحت سيوف الحق المبين.

أما أعظم الطوائف فقد لجأت إلى"الطائف"وتحصنت بها مدة غير يسيرة أقل ما قيل فيها خمسة عشر يوما وأكثر ما قيل أربعين، وترامى النبل وتراشقت الرماح وصُنعت الدبابات وحُرّق العنب والنخيل وثبتت كلتا الطائفتين، ثم أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجنده بالانسحاب، ويكفي ما حصلوا عليه من غنائم مادية من حنين، ومعنوية تمثلت في كسر آخر شوكة عربية.

وحقق الانسحاب ما لم تحققه الحرب، فقد جاء وفد هوازن مسلمًا، وعاد المسلمون للمدينة مخلفين وراءهم هيبة إسلامية بسطت نفوذها على الجزيرة العربية، وصدق من قال:"ما غُزي قوم في قعر دارهم إلا ذلوا".

-"الحرب الهجومية"تعاود التأديب وتدعو للإسلام، وتحسم القوة الوحيدة في الجزيرة العربية لدولة الإسلام:

وقد عاودت السرايا بعد"حنين"الدعوة للإسلام ومعاقبة وتأديب العرب، لتبدأ السرايا بالتزامن مع فض الجموع العربية والتي ما زالت تعاند هذا الدين الجديد، فسارت السرايا لتقضي على آخر أمل في نفوس العرب، فخرجت سرية عيينة بن حصن لبني تميم، وسرية قطبة بن عامر إلى خثعم، وسرية علقمة بن مجزر إلى سواحل جدة وغيرها.

وتزامنت مع هذه السرايا سرايا خرجت داعية لدين الله، كسرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب يدعوهم للإسلام.

-"تبوك"عهد جديد من"الحرب الهجومية":

ليس من السهل على الروم أن ينسوا ما حلَّ بهم في مؤتة، وقد داس المسلمون هيبتهم ومرغوا أنف عزهم في التراب، فأرادوا الإقدام على ما يُعيد لهم مجدهم ويبسط نفوذهم على العرب حلفائهم بل أذنابهم، فظهور قوة عربية تنمو كل يوم على تخوم أراضيهم وهي أقرب بالولاء للعرب، تمكن عرب الشام من الانضواء تحت الراية الجديدة، وقد توحدهم مع عرب العراق حلفاء الفرس لتتشكل قوة عربية لن يقف في وجهها تيار، فأسرعت الروم تجيش الجيوش وتحشد الحشود لقتال دولة الإسلام، قال ابن سعد: بلغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الرومَ قد جمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هِرَقْل قد رَزَق أصحابَه لسنة، وأجلبت معه لَخْمٌ، وجُذام، وعَامِلَة، وغسان، وقدَِّموا مقدماتهم إلى البلقاء.

وما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليغفل عن هذه التحركات الرومية، ومع ضعف الإمكانات والعُسرة التي تمر بها المدينة، أقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما لم يعهده أحد من قيادات ذلك الزمن فأعلن النفير العام، واستنفر كل من يحمل أمانة الإسلام في عنقه وصرَّح بالوجهة التي قلما كان يخبر عنها من قبل، ليعلن انطلاقًا لحرب الروم في أرضهم مرة أخرى، فالهيبة التي صنعها المسلمون من قبل أصبحت في امتحان صعب، ولابد من المحافظة عليها، خصوصًا وأن الأمن في الجزيرة لم يستتب بعد، وبالفعل خرج الجيش الإسلامي ليلاقي الروم في أرضهم، ووصل الجيش تبوك وعسكر هناك استعدادًا للمواجهة،"وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين". [الرحيق المختوم] .

قال ابن القيم:"ولما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تَبُوك، أتاه صاحبُ أَيْلَة، فصالحَه وأعطاه الجزيةَ، وأتاه أهل جَرْبا، وأذْرُح، فأعطَوْه الجزيَة، وكتب لهم كتاب أمان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت