الصفحة 145 من 216

ومن قوى الشر تلك القبائل من الأعراب والتي كان لها دور بارز في الأحزاب، ولكن حربهم ليست باليسيرة فهم متفرقون في الصحراء، وليس لهم حصون يتحصنون فيها فيُحاصروا، لذلك كانت أغلب السرايا حين تصلهم تجدهم قد تفرقوا في البلاد، ولكن يكفي تحرك السرايا لتضيف جوًا من الرهبة والرعب على الأعراب بحيث تقطع آخر وريد طمع في المدينة.

من هذه الغزوات غزوة ذات الرقاع بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني ثعلبة وبني محارب من غطفان، ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بقديد، ومنها سرية بشير بن سعد إلى بني مرة بناحية فدك، ومنها سرية غالب الليثي إلى بني عوال وبني عبد ابن ثعلبة وقيل إلى الحرقات من جهينة، وهذه السرايا وغيرها أخذت في جوها العام إطار:"الحرب الهجومية الدفاعية".

-الحرب الهجومية تطال الروم في عقر دارهم:

وهذه الحرب من عجائب الدهر فالجزيرة العربية ما زالت فيها بعض الجيوب والتي لم تخضع للدولة الإسلامية بعد، والطريق بين المدينة ومؤتة على حدود الشام غير آمنة، والأعراب على تربصهم بالمدينة، وقريش ما زال الطمع في قلوبها للقضاء على المدينة، وغطفان على حالها من العداء، واليهود بقاياهم في خيبر يستفزها سمها لحرب الإسلام وأهله، ومع ذلك يتحرك الجيش الإسلامي لغزو الروم في دارهم، بسبب قتل رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واجتمع في جيش الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آلاف مقاتل لم يجتمع مثل هذا العدد من قبل ولكن في مقابل كم؟

اجتمع مئة ألف من الروم مع مئة ألف من العرب الموالين للروم، أي ثلاثة آلاف مقابل مئتي ألف، وقد كانت ضربة موجعة للروم كيف جرؤ هؤلاء الأعراب على مجرد التفكير بغزو الروم وأين؟ في دارهم؟

وهو ما أضاف جوًا عامًا من الخوف والرعب والرهبة على العرب جميعًا، ببروز قوة إسلامية جديدة في الجزيرة العربية، وهو ما عنى عند العرب استحالة القضاء على الدولة الإسلامية، فإذا كان هؤلاء الثلاثة الآلاف وهم لا يزيدون عمن يسوس خيل الروم أو يُطعم الجيش يواجهون هذه القوة ويرجعون سالمين آمنين، فهل تستطيع العرب وأكبر قوام لجيش لن يتعدى العشرة الآلاف أن يقضوا على هذه الدولة الفتية؟ إن هذا لشئ عجاب.

-"الحرب الهجومية"تحسم النفوذ القرشي الوثني على بيت الله الحرام:

قال ابن القيم حول الفتح: الذي أعزَّ اللهُ به دينَه ورسولَه وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيتَه الذي جعله هُدىً للعالمين مِن أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتحُ الذي استبشر به أهلُ السماءِ، وضربت أطنابُ عِزِّه على مَناكِبِ الجوزاء، ودخل الناسُ به في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجهُ الأرضِ ضِياءً وابتهاجًا، خرج له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بكتائِبِ الإسلام، وجُنود الرحمن.

أصبح الإسلام قوة يلجأ إليها من يريد العزة مقابل الكفار، وأصبح حِلفًا مقابل أحلاف الكفر والشرك، فقد أعانت قريش بني بكر حلفهم في الحديبية على خزاعة حلف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فجاء عمرو بن سالم يستنصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أجابه الداعي:"نصرت يا عمرو بن سالم"، وحاولت قريش يائسة أن تسترد بعض كرامتها وتستعز ببقايا مجدها وتستنجد بالرحم أن يجدد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقد، وما ينبغي لهم ذلك وقد مر على شركهم بالله السنون الطوال، ويكفي.

وخرج الميامين يقدمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل الذل والخضوع والانكسار لرب العالمين، لتفتح بيت الله المعظم الذي دُنس بأدران الجاهلية على مدار الليالي والأعوام، وما استطاع القرشيون لهذا الزحف مقاومة، فآثروا التسليم والاستسلام على الإبادة وما ذلك على الله بعزيز، ودخلت طلائع التوحيد تكسر الأصنام وتُعيد الطهر للبيت الحرام على ما كان عليه في سالف العصور والأيام، بيتًا لله لا يُعبد معه غيره، وقُضي الأمر والحمد لله رب العالمين.

-"الحرب الهجومية"تطال الأصنام:

بدأت بإشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأصنام فتتكسر بأمر الله، ثم توالت بأمره - صلى الله عليه وسلم -، ثم توالت بسرية خالد - رضي الله عنه - إلى نخلة ليهدم"العزى"أعظم أصنام قريش وكنانة، ثم سرية عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إلى رهاط ليهدم"سواع"صنم هذيل، ثم سرية سعد بن زيد - رضي الله عنه - إلى المشلل ليهدم"مناة"صنم الأوس والخزرج - في جاهليتهم- وغسان، ثم بعد حنين أرسل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى"الفلس"صنم طئ ليهدمه.

-"الحرب الهجومية"تقضي على آخر معاقل الشرك في الجزيرة العربية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت