تمثل في قيام الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق بتجميع قومه ومن حوله من الأعراب لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما تأكد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر خرج إليه، ليفر وتتفرق الجموع قبل وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، كذا رجحه ابن القيم: الانفضاض دون قتال مع سبي النساء والذرية.
ومنها سرية علي بن أبي طالب إلي بني سعد بفدك لترامي الأخبار أن بها جمعًا يُريد المدينة.
-الجيش يدعو للإسلام:
وهو طور جديد أن تخرج السرايا تدعو لدين الله، وما كان معهودًا من قبل:
منها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى بني بكر بدومة الجندل يدعوهم للإسلام ويتزوج ابنة ملكهم إن هم أطاعوه، وقد حققت السرية ما كان مرجوًا منها فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن ابنة الملك. [الرحيق] .
-الهجوم السلمي:
أما مع قريش فقد بدأ بعمرة الحديبية، ومع أنها انتهت بعدم دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، ولكنها أظهرت المسلمين بموقف القادر على طرح رأيه بل فرضه، ودخول قريش موقف الدفاع بعد الهجوم في السابق، وهو ما دعا قريشًا على استحياء أن تطلب الرجوع لهذا العام على أن يأتوا من قابل، وهي تعلم أنها آخر ما بقي لها من هيمنتها على البيت الحرام، وأنها لن تستطيع مواجهة دولة الإسلام وهي التي عجزت من قبل بأحزابها على الانتصار، فكانت الحديبية عهدًا جديدًا وفتح آفاق للعمل بفضاء أرحب، وهو ما تمثل فيما بعد بغزو خيبر ثم غزو غطفان.
وأما الشق الثاني من الهجوم السلمي فقد تمثل برسائل الإسلام، التي حملتها رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك الأرض، وهذا طور جديد من الهجوم أن تبرز قوة عربية في مواجهة أعظم قوى الأرض وتدعوها بما لم يألفه ملوك ذلك العهد، أن يبدأ الكتاب باسم محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو ما أثار حفيظة كسري، كيف يُقدّم الأعرابي راعي الغنم اسمه على اسم كسرى، ولم يعلم هذا الوقح أن هذا الراعي هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرم الخلق على الله جل في علاه.
جاءت أوثق رسالة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملك الروم في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين،"يَا اهلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" [آل عمران: 64] .
ومع أن المضمون لم يختلف كثيرًا في رسائل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك ولكنها أخذت طابعًا شديد اللهجة في أرق بيان، شديد اللهجة في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"أسلم تسلم"، بمعنى أنك إن لم تُسلم فلن تسلم ولن يسلم لك ملكك، وأرق بيان في تعظيم أجرك باتباع القوم لك وتوحيد الكلمة في عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا ما يؤكد اختلاف الرسائل باختلاف طبائع الملوك فالمجوس عُباد نار، مع أنها لم تخرج عن المضمون العام: إن لم تسلم فإن رجال الإسلام سيطئون بخيولهم قصورك وقد كان والحمد لله رب العالمين.
-القضاء على قوى الشر في الجزيرة العربية:
بعد الحديبية وضمان أن قريشًا لن تُعين خيبر إن هي غُزيت، والأمن من الظهر بحيث يضمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا تُغير قريش على المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيشه خارجها، وهي الآن أعجز من أن تجرؤ على مواجهة دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد سلسلة الهزائم التي تكبدتها في المواجهات السابقة.
وكانت غزوة خيبر أول هجوم بهذه القوة على أحد أقطاب القوة في الجزيرة العربية، لبُعد الحصون ومنعتها وقوة اقتصادها وتعدد مواردها وكثرة حصونها، وسار إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، معاقبة لها على تحزيبها الأحزاب وإيوائها الخونة والمندسين وتمالئها على الإسلام والمسلمين، ووصلت القوة الإسلامية ونازلت الحصون لتفتحها حصنًا من بعد آخر، حتى نزل آخرها على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك تم القضاء على أحد أقطاب الشر والكفر في الجزيرة العربية.