ولا شك أن سبب هذا الانعزال لم يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيه، وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معنى، ولو كان هذا هو السبب لانعزل عن الجيش منذ بداية سيره، بل كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد - في ذلك الظرف الدقيق - أن يحدث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم، حتى ينحاز عامة الجيش عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتنهار معنويات من يبقي معه، بينما يتشجع العدو، وتعلو همته لرؤية هذا المنظر، فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المخلصين، ويصحو بعد ذلك الجو لعودة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه.
وكاد المنافق ينجح في تحقيق بعض ما كان يهدف إليه، فقد همت طائفتان - بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج - أن تفشلا، ولكن الله تولاهما، فثبتتا بعدما سرى فيهما الاضطراب، وهمتا بالرجوع والانسحاب، وعنهما يقول الله تعالى:"إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" [آل عمران: 122] .
وحاول عبد الله بن حَرَام تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم في هذا الظرف الدقيق، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم عبد الله بن حرام قائلًا: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
وفي هؤلاء المنافقين يقول الله تعالى:"وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ" [آل عمران 167] .
-"حرب المنافقين"في غزوة بني النضير:
بعد محاولة بني النضير اغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإلقاء الرحى من فوق الجدار،"بعث إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: أن اخرجُوا مِن المدِينةِ، ولا تساكِنُونى بها، وقد أجَّلتُكم عشرًا، فمن وجدتُ بعد ذلك بها، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فأقاموا أيامًا يتجهَّزُونَ، وأرسل إليهم المنافِقُ عبدُ الله بن أُبَىّ: أن لا تَخْرُجُوا مِنْ دياركم، فإن معىَ ألفين يدخلُونَ معكم حِصنكم، فيموتون دُونكم، وتنصُرُكم قُريظةُ وحلفاؤكم مِن غَطَفَان، وطَمِعَ رئيسُهم حُيَىّ بنُ أخطَب فيما قال له، وبعثَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنَّا لا نَخْرُجُ مِن دِيَارِنَا، فاصْنَعْ ما بَدَا لك، فكبَّر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه، ونهضُوا إليه، وعلي بن أبي طالب يحمِل اللِّواء، فلما انتهى إليهم، قامُوا على حُصونهم يرمُون بالنَّبل والحِجارة، واعتزلتهم قُريظة، وخانهم ابنُ أُبيّ وحُلفاؤُهم مِن غَطَفَان، ولهذا شبَّه سبحانه وتعالى قِصتهم، وجعل مثلَهم:"كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ" [الحشر: 16] . [الزاد] "
-"حرب المنافقين"في غزوة الخندق:
تناولت سورة الأحزاب جزءًا من محاربة المنافقين والحرب المضادة ودورهم في الأحزاب:
-كذب وتكذيب: روى الطبري عن قتادة في قوله:"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا" [الأحزاب 12] ، قال ذلك أناس من المنافقين: قد كان محمد يعدنا بفتح فارس والروم، وقد حُصرنا ها هنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته.
-التخلف: روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:"وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ" [الأحزاب 13] ، قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية، نخشى عليها من السرق أو من السراق في رواية عن قتادة"إننا نخشى عليه السراق".
-الإرجاف:"وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا" [الأحزاب 13] .
-نقض العهد:"وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ" [الأحزاب 15] .
-الجبن:"فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ" [الأحزاب 19] .
-الغدر وعدم نصرة المسلمين:"يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَاتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا"الأحزاب 20].