ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين، ولكونهم سكان المدينة، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين.
وقد ظهرت خطتهم هذه جلية حينما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، فقد كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبنى مثل الابن الصلبي، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبنى على الرجل الذي تبناه، فلما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بزينب وجد المنافقون ثُلْمَتَيْن - حسب زعمهم - لإثارة المشاغب ضد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الأولى: أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة، فكيف صح له هذا الزواج؟
الثانية: أن زينب كانت زوجة ابنه - مُتَبَنَّاه - فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب. وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصًا وأساطير، قالوا: إن محمدًا رآها بغتة، فتأثر بحسنها وشغفته حبًا، وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلى سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرًا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثرت تلك الدعاية أثرًا قويًا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" [الأحزاب: 1] .
وهذه إشارات عابرة، وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم، أو يتحملونه بالصبر؛ إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخري حسب قوله تعالى:"أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ" [التوبة: 126] .
-قول المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الفراغ من الغزوة مقيمًا على المُرَيْسِيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير يقال له: جَهْجَاه الغفاري، فازدحم هو وسِنَان بن وَبَر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها مُنْتِنَة"، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب - وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث - وقال: أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.
فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمر، فقال عمر: مُرْ عَبَّاد بن بشر فليقتله. فقال:"فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أَذِّنْ بالرحيل"، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال: لقد رحت في ساعة منكرة؟ فقال له:"أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟"يريد ابن أبي، فقال: وما قال؟ قال:"زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، قال: فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يرى أنك استلبته ملكًا.
ثم مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسي، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مَسَّ الأرض فوقعوا نيامًا. فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث.
أما ابن أبي فلما علم أن زيدًا بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل. فصدقه، قال زيد: فأصابني هَمٌّ لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله:"إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ"إلى قوله"لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" [المنافقون 1ـ 8] ، فأرسل إليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأها علىَّ، ثم قال:"إن الله قد صدقك".
وكان ابن هذا المنافق - وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي - رجلًا صالحًا من الصحابة الأخيار، فتبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه، فلما جاء ابن أبي قال له: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء