محدود أيضًا بمن حارب، فكان فتح خيبر ثم حنين وما تلاها في الطائف وما أعقبه من سلسلة فتوحات، انتهت أو كادت تنتهي بموت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسيطرة فعلية على الجزيرة العربية وانتهاء عهد الوثن في الجزيرة.
كانت الحروب كثيرة سرية تتبعها سرية وغزوة تليها غزوة، كلها تسعى لصبغ الجزيرة العربية بصبغة الإسلام، وأن الله واحد والدين واحد ولا مجال للتثنية.
نزلت"براءة"أو مرحلة"الحرب الشاملة"في زمان تبوك الممتد من بعد الغزوة حتى نزول البراءة، وتبليغ عليّ - رضي الله عنه - لها إلى الحجيج في مكة، وغزوة تبوك آخر غزوة غزاها المسلمون في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد تلاها دخول الناس في دين الله سِلمًا، ليأسهم من محاربة هذا الدين بعد الاصطدام الدامي مع الروم في مؤتة والانحياز دون خسائر تقدر، ثم كانت تبوك قاصمة الظهر لكل متطلع أو راغب بروما، بعد جبنها ومعها قبائل العرب عن مواجهة جيش أعياه طول السفر وأجهده قلة ما في اليد، فلم تجد بدًا من مسالمته والدخول معه في دين الله - عز وجل -.
بعد توافد الوفود العربية مُعلنة إسلامها، تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه المرحلة الجديدة: مرحلة"الحرب الشاملة"ليجهز جيش أسامة، ومع أن المصادر لم توافنها بعدد هذا الجيش، ولكن حين يكون جيش مؤتة ثلاثة آلاف وتبوك ثلاثين ألف بزيادة عشرة أضعاف، مع عدم إغفال التوافد العربي الكثيف، يظهر أن جيش أسامة تجاوز عدد تبوك ربما بأضعاف، يُضاف إليه أن الجيش النبوي ما كان يتطلب الكثير من الوقت في التجهيز، وهذا مُستقرأ في كل غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُقاتل بالموجود عنده، فلما كانت تبوك استنفر القبائل العربية، وحشد الحشود وأعلمهم بالوجهة، فمن الطبيعي أن يكون جيش أسامة قد ضم تلك القوات التي شاركت في تبوك أو أكثرها، مضافًا لها من التحق بالإسلام بعد تبوك.
وانتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى وجيش أسامه لم يغادر موقعه بعد، مع أن الأوامر المحمدية عنده معلومة، ما مكن الخليفة من بعده السير على خطى صاحب البيان الأول، ذكر كتاب السيرة كالمباركفوري وغيره أن سبب بعث أسامة هو قتل الغساني لفروة عامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على معان، أما ابن كثير فلم ينظر للسبب المذكور، أو أنه اجتمع مع سياسة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بمحاربة المشركين كافة مع الكفار كافة فقال مجملًا سياسة الإسلام في الحرب في تفسير قوله تعالى:"ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُو ا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" [التوبة123]
فقال يرحمه الله: أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام؛ لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية - صلى الله عليه وسلم - بعد حجته بواحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدًا وقربًا، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي، ثم لما مات شهيدًا، وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - شهيد الدار.
فكسا الإسلام رياسة حلة سابغة، وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، وكلما علوا أمة، انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين