الأمر الثالث / يحتجون برواية سعيد بن المسيب قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أفطرت يومًا من رمضان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (تصدق واستغفر الله وصم يومًا مكانه) . رواه ابن أبي شيبة في المصنف وغيره. يقول مراسيل سعيد من أقوى المراسيل فهذا يؤيد القول بالقضاء ويستدلون أيضا بالإجماع فقد حكاه غير واحد بأن من أفطر يوما متعمدًا بأنه يقضي وهذا الإجماع فيه نظر وقد حكي عن علي وبن مسعود وأبي هريرة وجماعة بأنه لا يجب القضاء وليس تخفيفا عنه ولكن لعظم ذنبه ونظير هذه المسألة من ترك صلاة متعمدًا فقال جماعة من العلماء بأن من ترك صلاة الظهر حتى يخرج وقتها أو العصر حتى يخرج وقتها أو العشاء حتى يخرج وقتها فإنه لا يقضي، الذي ينام عن صلاة الفجر متعمدًا ولا يستيقظ حتى تطلع الشمس فإنه لا يقضي على هذا القول لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك) قال ولم يذكر المتعمد، الخبر متفق على صحته ولكن قد يجاب أنه لم يذكر المتعمد لأن المتعمد عارض من العوارض فكان التنبيه على ما يقع كثيرًا دون ما يقع نادرا لأن الأصل في المسلم أن يسارع إلى الصلاة ولا يتخلف عن أداء الواجب فحينئذ لم يُذكر لأن التنبيه على ما يقع بكثرة وعلى ما هو من طبيعة الإنسان وليس على ما هو خارج عن المقتضى الحكم الشرعي كالمتعمد فبالتالي ليس هذا الحديث صريحا بالاستدلال على أن المتعمد ليس عليه قضاء ولذلك ذهب الجمهور منهم الأئمة الأربعة على أن من أفطر في نهار رمضان متعمدًا أو ترك الصلاة متعمدا أنه يقضي وهذا الذي أفتى به الأكابر من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين وإن كان أيضًا قد يوجه أثر عبد الله بن مسعود (من أفطر يومًا في رمضان متعمدًا من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه) ، يحتمل أن يكون مراده بهذا أن هذا لا يكفِّر عن هذا وليس المعنى أنه لا يقضي فحينئذ يكون أثر بن مسعود محتملًا ليس صريحا ولا يصح الجزم بأن هذا هو قول عبد الله بن مسعود أو هو قول أبي هريرة أو قول علي، فنظير هذا أن تقول مهما فعلت فلن يكون موازيًا لهذا الترك وليس المعنى بأن لا تفعل، لا افعل ولكن لن يكون موازيا لأن ذنب هذا أكبر من حسنة هذا وحينئذ الصواب في هذه المسألة أن من ترك صلاة متعمدًا بأنه يقضي ومن ترك صياما متعمدًا فإنه يقضي ولا كفارة عليه إلا القضاء وكفارته القضاء ويتوب إلى الله ويستغفره وأن يعزم على أن لا يعود إلى الذنب مرة أخرى ولكن كان لا يصوم في شهر من الشهور وهو في هذا الوقت كان لا يصلي الصواب أنه لا يقضي الصيام لأنه آن ذاك لم يكن مسلمًا لأن من لم يصل بالكلية ليس بمسلم هذا الذي أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم حكى إجماعهم عبد الله بن شقيق العقيلي وإسحاق والمروزي وغير هؤلاء، أما إن كان يصلي تارة ويدع تارة فيعتبر مسلمًا عاصيًا ويؤخذ من الحديث وإن كان ضعيفًا ولكن يؤخذ منه ومن مجموعة ما ذكر من آثار كمرسل سعيد وأثر بن مسعود.
أولا/ يؤخذ أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. فيه الرد على المرجئة.
الأمر الآخر / فيه الرد على الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب. البحث جار هل يقضي أم لا يقضي بين السلف، ولم يكن البحث جار هل كفر أم لم يكفر، ففيه الرد على الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب وبالكبائر وأهل السنة متفقون على أن لا يكفر المسلم إلا إذا أتى بقول أو فعل أو اعتقاد ينافي أصل الإيمان كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن لم تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان) .
الأمر الثالث / من ترك صيامًا أو صلاة متعمدًا فإنه يقضي وهذا قول الجمهور.
الأمر الرابع / أن الذين لا يقولون بالقضاء ليس تخفيفا عن المفرط إنما هو لزيادة عقوبته وأن هذا الذنب لا يكفره القضاء.
ويؤخذ من الحديث التفريق بين الذنوب وأن من الذنوب ما هو ينافي أصل الإيمان ومنه ما ينافي كماله الواجب ومنه ما ينافي كماله المستحب.
وفيه أن من ترك يوما من صيام رمضان متعمدا أنه مرتكب لكبيرة من الكبائر وحد الكبيرة ما ختمت بغضب أو لعن أو وعيد شديد أو ترتب على ذلك حد وفيه غير ذلك والله أعلم.
نقف على الباب الثامن والعشرين (باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان) .
الأسئلة:
س: ...
ج: نعم الصواب أن من تعمد ترك فريضة واحدة أنه لا يكفر لكن لو تعمد ترك الصلاة بالكلية هذا هو الذي يكفر. المسألة خلافية أيضا، لكن الذي ذهب إليه الأكثر أن من ترك صلاة واحدة أنه لا يكفر، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن أتى بهن كان حقا على الله أن يدخله الجنة ومن انتقص منهن شيئا فإن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) ، وقوله (من انتقص منهن