ولأن أهل الحساب قد يختلفون وأخذ جماعة من العلماء أنه إذا رؤي في بلد لزم البلاد الأخرى الصوم، هذا مروي عن طائفة من المالكية وهم يتفردون بالوجوب عن بقية الأئمة الأربعة حتى أن ابن عبد البر رحمه الله أنكر هذا، حكى الإجماع على خلافه، لكن مذهب أحمد يقول لا تكفي الرؤية في بلد عن البلاد الأخرى، ولكن لم يقل بالوجوب وأنه إذا رؤي مثلًا في بلاد فإنه يجب على البلاد الأخرى الصوم، لكن قال يكتفي فرق بين مذهب أحمد وبين الرواية المنسوبة إلى مالك.
إعادة المذاهب:
المذهب الأول: مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه إذا رئي في بلد تكفي الرؤية عن البلاد الأخرى.
المذهب الثاني: ما حكي عن المالكية بأنه يجب إذا رئي في بلد أن يصوم أهل البلاد الأخرى.
المذهب الثالث: أن لكل بلد رؤيته وهذا مذهب ابن عباس والجمهور ولم يحك أبو عيسى الترمذي في جامعه قولًا غير هذا.
المذهب الرابع: على حسب المطالع وهذا مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وفي عصرنا هذا وجد قول أن لكل مملكة يرأسها رجل رؤية خاصة وهذا قد يرجع إلى قول بأن لكل بلد رؤيته مع أنه قد يقال بأن هذا مغاير لأن ابن عباس حين قال بأن لكل بلد رؤيته كانت البلاد كلها تحت حكم معاوية رضي الله عنه.
وعلى كل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وهذا دليل على من أخذ بهذا أو ذاك، والذين لا يستطيعون الرؤيا يقتدون بأقرب بلد إليهم إذا كان المطلع واحد، أما إذا اختلفت المطالع فإنهم يأخذون برؤية أهل مكة كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
فيه أناس لا يقدرون على ترائي الهلال أو يعيشون في بلاد الغرب فإنهم يأخذون برؤية أهل مكة، والحقيقة أن القول بالمطالع قول قوي جدًا حيث أن مطلع أهل الشرق يأخذ به أهل الشرق، ومطلع أهل الغرب يأخذ به أهل الغرب بحيث يكون فيه ضابط قوي لأن ولادة الهلال تختلف حقيقة من بلد إلى بلد، وهذا تابع في الحقيقة على القول بكروية الأرض فإنه يختلف من بلد إلى بلد.
قوله (صوموا لرؤيته) : ماذا نستفيد، فيه فوائد من هذا اللفظ:
فيه دلالة على قول الأئمة الأربعة بأنه لا يؤخذ بالحساب، تقدم التفصيل في هذا، الأخ محمد يقول يؤخذ من أن لكل بلد رؤيته، والإمام أحمد أخذ من هذا الحديث أن الرؤية في بلد تكفي عن البلد الآخر، لأنه قال: (صوموا) على لفظ الجمع الخطاب للمسلمين وقد احتج به طائفتان كما قال الأخ احتج به هؤلاء واحتج به هؤلاء.
يستفاد منه أيضًا وجوب الترائي، كيف نصوم للرؤيا إذا ما كان هناك أحد يتراءى، إذن نأخذ من ذلك القاعدة الأصولية القائلة بأن ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قوله (وأفطروا لرؤيته) : وهذا أمر، صوموا لرؤيته تقدم أنه يكتفى بشاهد واحد على القول الراجح، وهو مذهب أبي حنيفة، إذا كانت السماء غيمًا، وقال به الشافعي على الصحيح من مذهبه وأحمد.
وقال مالك لا بد من شاهدين، وقال أبو حنيفة إذا كانت السماء صحوًا لا بد من جمع يتواطئون على هذا ويحصل بخبرهم العلم.
الإمام أحمد رحمه الله حين يجوز رؤية الواحد ليس معنى هذا أنه كل واحد، لا بد أن يكون عدلًا فإذا مثلًا جاء للقاضي شخص ولاحظ عليه القاضي أنه لابس نظارات ورأى عليه أنه ضعيف البصر، هل يقبل شهادته؟ يرفضه، ولماذا لا تقبل؟ لوجود الاحتمال الخطأ الكبير لأنه واضح جدًا أنه ليس لديه بصر حاد وبالتالي فيه علامة ليش يتفرد بهذا الخبر، لكن لو جاء آخر نعلم أن هذا قد أصاب في الرؤيا فالذي لا يرى القريب كيف يرى البعيد، فلذلك قد لا نقبل الشهادة، لا نقول نرفض مطلقًا لكن الأصل فيه أننا نتحفظ من رؤيته، وهو واضح جدًا أنه ضعيف البصر بدليل لبس النظارات وواضح أيضًا أنه لا يمكن رؤية البعيد وهو لا يبصر القريب فحينئذ نتحفظ من رؤيته في هذا الباب.
إذن (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) حكى غير واحد من العلماء الاجماع أن خروج الشهر لا يكفي شاهد واحد، صحيح هذا نعم الخروج لا بد من شاهدين، الدخول الإمام أحمد لا يشترط أن يكون ذكرًا يجوّز أن تكون امرأة، إذن ما وجه تفريق الإمام أحمد بين الدخول وبين الخروج؟.
رواية واحدة عن الإمام أحمد أن الخروج لا بد من شاهدين، الدخول يكفي بشاهد واحد ولو كانت امرأة، طبعًا لا شك فيه الإمام أحمد يعتمد على النص، حديث عمر في الباب وحديث ابن عباس وفيه نظر ونتحدث عنهما إن شاء الله في بابهما.