وإن صلى ثلاث عشرة ركعة فلا حرج من ذلك، وإن زاد وصلى بعشرين أو بإحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو ست وثلاثين أو بأكثر من ذلك فلا حرج.
الاختلاف اختلاف أفضلية وليس اختلاف تحليل وتحريم، وقد حكى ابن عبد البر رحمه في الاستذكار الإجماع على جواز كل هذه الأمور وحكى غير واحد أيضًا، لكن الأفضل هو ما ثابر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وثابر عليه الصحابة من بعده وذلك بالاقتصار على إحدى عشرة ركعة.
ودليل الجواز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"صلاة الليل مثنى مثنى- أي صل ما شئت- فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة".
هذا أعرابي لا يعرف المطلق من المقيد ولا يفهم الأحاديث الواردة الأخرى، ولو كان يعرفها ويفهمها ما سأل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم"صلاة الليل مثنى مثنى وإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"هذا دليل الجواز وذاك دليل الأفضلية والأولوية.
ونتحدث عنه في بابه ولكن هذا إشارة إلى قول المؤلف على قوله صلى الله عليه وسلم.
(من صام رمضان وقامه إيمانًا) :
الإيمان في اللغة: التصديق، قال الله عز وجل: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ يوسف17، أي بمصدق لنا، لكن في الشرع هو قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح.
من قام رمضان إيمانًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من الإيمان من التصديق وطلب الإحتساب، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بهذا الثواب والأجر.
ومنهم من حمل هذا الخبر على الإيمان تصديقًا واحتسابًا أي بحثًا عن الأجر وعن الثواب، والقول بالعموم أولى، بحيث أنه يطلب كل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الإيمان وما يتطلبه هذا الصيام ويتطلبه هذا القيام، واحتسابًا بأن الإخلاص شرط للعمل، قال الله جل وعلا {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} البينة5.
الإخلاص هو إرادة وجه الله ولا يجتمع حب الثناء والإخلاص في قلب عبد أبدًا إلا كما يجتمع الحوت والضب والماء والنار، وقال تعالى {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء114، فالله جل وعلا لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه، أما الرياء فلا يقبله الله جل وعلا فيتركه وصاحبه.
وفي صحيح مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".
قوله (غفر له) : هذا جواب الشرط، وفعل الشرط: صام وقام إيمانًا واحتسابًا، جواب الشرط (غفر له) المغفرة أي الستر حين تكفر سيئاته ويستر عليه.
(غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي رواية في المسند (وما تأخر) وهذه رواية شاذة.
قال الإمامان ابن حزم وابن تيمية عليهما رحمة الله بأن المغفرة للصغائر وللكبائر.
وقال الجمهور بما فيهم الأئمة الأربعة رواية واحدة بأن المغفرة للصغائر دون الكبائر وقد سبق شرح الموضوع وذكر أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء وقلت بأن قول الإمام ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية قول قوي وأن الادلة تدل عليه لقوله صلى الله عليه وسلم"من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"ومعلوم أن الأم تلده وليس عليه شيء، فلا يقيد هذا بالصغائر دون الكبائر.
وأجبت عن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة"رمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهم ما تغش الكبائر".
ويؤخذ من هذا فضيلة الإخلاص وسعة فضل الله جل وعلا وفيه أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وفيه إثبات الجزاء والحساب وفيه إثبات الجزاء الأخروي وفيه البعث بعد الموت وفيه غير ذلك من الفوائد.
قوله (ومن قام) : من اسم شرط جازم ومن صيغ العموم، قام ليلة القدر، لماذا سميت بليلة القدر؟ قيل لكبير قدرها وقيل كما في آية الدخان {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان4، وأن الله يقدر فيها أقدار العباد.
من قام ليلة القدر:
تقدم أن قيام رمضان كله مشروع وكله فاضل والإجماع منعقد على استحباب قيام الليل في كل ليلة بل فيمن قال بأنه واجب على أهل